فهرس الكتاب
ومن ذا الذي يستطيع أن يتجاوز عاصمة الحب والمجد والضوء إذا أراد أن يقول شعرًا، أو يغني لحنًا، أو يتقلد سيفًا في معركة؟
أعترف أني واحد من تلامذة العطر والياسمين، في مدينة العطر والياسمين، واستأذن القارئ لأعود في لمحات خاطفة إلى ذكرياتي القديمة.. إلى طفولتي.
كيف ارتسمت صورة دمشق الأولى، في رأس هذا الطفل الذي كان يحاول كتابة أولى قصائده في ظل"شجرة التوت"في قريته الصغيرة الضائعة وراء الأسلاك والضباب في لواء اسكندرون الغارب عن ذاكرة الأجيال العربية منذ أمد بعيد.
حول مدفأة تتَّقِد نارها، ونتحلّق حولها مساءً، على مفرش من القش، في ليالي الشتاء الباردة، كان والدي شاعر القرية ومعلّمها الشيخ أحمد العيسى -رحمه الله- يتكئ على وسادة إلى جانبه، ثم يأخذ بيده نسخة من مجلة"المجمع العلمي العربي"، لا أدري كيف وصلت إليه.. إلى تلك القرية المهملة النائية، شمالي سورية، يأخذ المجلة بكل ما عرفنا عنه من حب للكلمة، وتقدير لفرسانها، ويمضي في تصفّحها، متوقفًا عند بعض الأسماء الشهيرة التي كانت تحرٍِّر فيها.. ثم يتوجه إلينا قائلًا:
هذه مجلة المجمع.. صرح العرب الشامخ في دمشق..
وهؤلاء هم فطاحل اللغة والشعر والأدب..
محمد كرد علي، عبد القادر المغربي، التنوخي، المبارك، فارس الخوري، عيسى اسكندر المعلوف، خليل مردم بك.. إلى آخر القائمة.
ويتعمّد أن يلفظ أسماء هؤلاء الأعلام بشيء من التفخيم والتعظيم.
يجب أن تقرؤوا لهم.. وتعرفوا ما يكتبون، ويحبّرون من روائع..
كنت أشعر أنه يوجّه كلامه إليّ بالذات حين يتابع قائلًا:
ادرسوا مقالات الكتّاب، واحفظوا قصائد الشعراء الذين يُنشدون في دمشق. إنهم ذخيرتنا الجديدة.. نضيفها إلى كنوزنا القديمة.
وتمضي الأيام.. ويكبر الطفل.. ويأتي إلى دمشق بعد ضياع وطنه الصغير، حاملًا معه ديوانه الأول، وعروبته، وذكريات قريته في أوائل الأربعينيات.