فهرس الكتاب

الصفحة 12006 من 23694

يأتي مع مجموعة من فتيان العروبة الصغار المتمردين، المشردين الذين آثروا أن يحتفظوا"بهويتهم"مهما كان الثمن، ولم يحسبوا لشيء حسابًا.."هويتهم"العربية المطاردة، المهددة، التي قاتلوا من أجلها في وطنهم الصغير"اللواء".. ثم هُزموا، وسلب"وطنهم الصغير"ففروا إلى رحاب الوطن الأم، مصرّين على أن تظل أقدامهم على الأرض العربية.. وليكن بعد ذلك ما يكون.

وتستقر الأقدام الصغيرة المشرَّدة، المتمردة، في دمشق ويستمر الكفاح.

دمشق.. في أواخر الثلاثينات.. وأوائل الأربعينات..

"جُنينة"خضراء واسعة، ترمي أطراف إزارها الأخضر بين البساتين، تغوص بيوتها في الخضرة والظل والشجر. يلاحقك عطر الياسمين في أي شارع صغير تمشيت فيه، حتى إذا ما بلغت ضفة من ضفاف"بردى"، رأيت"عصفور الجنة"يسقسق بين يديك ماء نقيًا صافيًا تغترف منه وتشرب، قبل أن يخالطه كدر، أو يلوّثه بشر.

دمشق.. هذه"الجنينة"الخضراء الواسعة.. كانت تعرف جيدًا كيف تتنمر وتنتفض على"النير"الغريب الذي كان يفرض نفسه على لؤلؤة العرب، وحورية التاريخ وتتنمر وتنتفض بكل ما تملك من قوة وبأس وأمجاد على"الانتداب"الذي جثم على صدرها حقبة من الزمن.. إلى أن خلعت"النير"الغريب، وتحرّرت منه إلى الأبد.

وكنا -نحن الفتية الصغار- نشاطر دمشق، لؤلؤتها الخالدة، عطرها ونضالها.. نقاتل معها.. ونأوي مساءً إلى صدرها العربي الذي اتسع وما يزال يتسع للتاريخ.

في تلك الفترة بالذات بدأنا حركة البعث.. في قلب العروبة الحي، النابض على الدهر، كما تعود كل عربي أن يقول وهو يعانق أول نسمة من"صبا بردى"، ويضع قدميه على ثرى الشآم.

واستميح القارئ عذرًا، لأقتطف بضعة أسطر من مقال طويل لي أتحدث فيه عن هذه الفترة، بعنوان"البدايات". والمقال منشور ومعروف:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت