فهرس الكتاب
"بيت صغير.. يحتل الزاوية التي تلامس الأرض من سلسلة بيوت في حي"السبكي"بدمشق، تميز بابه القديم حَجَرَة واحدة ترتفع قليلًا عن الأرض، تعدُّ نفسها دَرَجة، أمرُّ بها الآن في طريقي عجلان، فما أكاد أقترب منها حتى أتوقف فجأة، وأحس حنينًا في أعماقي، يدعوني إلى أن أجلس عليها، ولو اختلست اللحظة اختلاسًا."
هذه"الحَجَرة"الصغيرة، هذه الدرجة التي لا يملك بيتنا القديم غيرها، هي"برقة ثَهمد"، هي"حومانة الدرّاج"هي"سِقْطُ اللوى"هي"الدَّخُول"و"حَوْمَل".. هي عندي وعند قبضة من رفاق الصبا أطلالنا الشاعرة، وندوة سَمَرنا في العشيات. كنا نتقاسم الجلوس عليها في ليالي الصيف، ليالي القمر، والعطر، والياسمين في دمشق، يبدأ الجلسة رفيق الصبا وهيب الغانم بحديث عن التاريخ العربي، تاريخنا الذي سنغير وجهه نحن الأطفال المشردين الذين لا يملكون ثمن عشائهم. ولم تكن لتخالجنا ذرة شك في أننا سنغير يومًا هذا التاريخ، سنحرك"المقبرة"الضخمة.. سنبعث فيها الحياة أغنى ما تكون الحياة، وأجمل ما يكون البعث. سنصنع الدولة العربية الكبرى.. نحن الأطفال المشردين، الجائعين، الذين تعودوا في تلك الأيام -أيام الحرب والبؤس والحرمان- أن يبقوا يومين أو ثلاثة أيام بلا طعام، وهم سعداء أصفى ما تكون السعادة، متفائلون أروع ما يكون التفاؤل.. أليسوا الذين انتدبهم القدر لبعث الأمة العربية.. لبناء الوطن الواحد العظيم؟
يا لروعة الطفولة.. وصفاء الأحلام!
الجوع وحده يستطيع أن يُبدع..
أن يبني العالم من جديد..
لا تظنوا نومًا هادئًا على وسادة من حرير قادرًا على أن يضيف شيئًا جميلًا إلى هذا العالم.
بَرَدى.. يا عُصْفورًا يكتُبُ،
يكتبُ شعرًا للأطفالْ
عَلِّقْها بجناحِك واركُضْ
يا نهرَ الأطفالْ
وأغيب عن دمشق.. وعن"عصفورها"الذي يكتب شعرًا للأطفال..