فهرس الكتاب

الصفحة 12008 من 23694

أغيب عنها الأعوام الطوالُ.. مرة في بغداد متابعًا تحصيلي الجامعي.. ومرة في حلب.. مدرسًا للغة والأدب في ثانوياتها..

ولكن مدينة العطر والمجد والياسمين تظل معي.. تشدني إليها بخيوط خفية ما أظن أحدًا يستطيع لها حصرًا أو تحديدًا.

لم أنقطع عنها.. ولم تنقطع عني..

وكيف؟ وهي القلب الذي يوزع النبض على العروق كلها..

نهبط إلى دمشق.. نزورها كلما أتيحت لنا فرصة..

فيها نلتقي رفاق الصبا.. ونقيم الندوات والمهرجانات القومية.. ونلقي قصائدنا الملتهبة بين يدي"عاصمة العروبة"التي يتلاقى فيها الشباب العرب من كل قطر من أقطار العروبة.

في دمشق.. كنت تجد العراق.. والأردن، ومصر.. وتونس.. والجزائر.. والمغرب..

في دمشق.. كانت الأحلام العربية كلها تستقر، وتحاول أن تتجسد..

في دمشق.. كان الصدى يتردد قويًا واثقًا مشحونًا بالعزيمة والأمل لكل طموح عربي.. لكل ثورة عربية.. لكل خطوة تخطوها أجيال العروبة الظامئة إلى الحرية وإلى الحياة.

في مقهى شعبي يحتل زاوية هادئة من زوايا"الجسر الأبيض"، وينساب أمامه فرع من فروع بردى الحالم الوديع، كنت أجلس مع رفيق العمر والغربة والألم، صدقي اسماعيل، هذا الذهن العربي الصافي المتقد.. نجلس ساعتين أو ثلاثًا نقرأ ونكتب، وندخن"النرجيلة"، ونرصد الحياة العادية، حياة الناس الذين يمرون أمامنا في الشارع.. كان ذلك في أواسط الخمسينات.. وكانت دمشق آنئذٍ لا تكاد تسعها الدنيا لكثرة ما يضج في صدرها من صَبَوات وأمانٍ وتطلعات..

وأكتب ذات يوم قصيدة بعنوان:"الجسر والمقهى الهَرِم". وأبعث بها إلى صدقي.. وأحاول أن أحمِّل القصيدة بعض ما كان يعصف في صدرنا وفي صدر دمشق من حب وعطش للحياة؛ فلأتوقف قليلًا عند"الجسر والمقهى الهَرِم"وأعرض بعض المقاطع من هذه القصيدة -الذكرى:

سَقْيا للأمسِ.. أخا الجامِ!

وسلامٌ.. يا ليلَ الشامِ!

إلْهامٌ.. ذابَ بإلهامِ

وكُؤوسٌ.. تَعْبَقُ بالسَّمرِ

وشبابٌ.. للدنيا ظامي!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت