فهرس الكتاب
لم نشهد في العصر البيزنطي أي تنظيم عمراني يذكر.. وبقيت دمشق كما كانت في العصر الروماني تضم المدينة القديمة الآرامية والحي المكدوني الجديد يحيط بهما سور تبلغ أبعاده (1500×750م) . وهناك أقنية مياه، وقصر -قلعة في الزاوية الشمالية الغربية، وأبواب جميلة ومنيعة، وشارعان رئيسان يجتازان المدينة من الشرق إلى الغرب (Decumanus) عرف باسم الشارع المستقيم، وشارع آخر يصل المعبد بالساحة العامة (الآجورا- الفوروم) . وهناك الملعب هيبودروم) مكان المرج، والسيرك (مكان شارع بغداد) .
ظهر في العصر البيزنطي عنصر معماري جديد هو (الكنيسة) . وإذا كانت دمشق -مثل أنطاكية ودورًا أوروبوس- شهدت الكنيسة السكنية عندما كان عدد المسيحيين من مواطنيها قليلًا، مما جعلهم يستخدمون أحد مساكنهم ككنيسة سكنية، فإن المرحلة التالية تطلبت تحويل المعابد الوثنية (مثل معبد جوبيتر الدمشقي) إلى كنيسة عرفت باسم (كنيسة يوحنا المعمدان) . وخلدوا السيدة مريم العذراء بتشييد مبنى الكنيسة المريمية التي تعتبر من أقدم وأهم الكنائس الدمشقية وهناك (كنيسة المصلبة) ... وغيرها...
كما شيد الدمشقيون في العصر البيزنطي الأديرة الضخمة والجميلة التي من أهمها (دير مران) في سفح جبل قاسيون، في موقع يطل على (الربوة) . وقد تميز هذا الدير بحجارته الكلسية البيضاء التي تبدو دائمًا كالضاحكة لأشعة الشمس. وكان يغطي أرضه البلاط الجميل الألوان. وكان هيكله يضم صورة دينية ذات أهمية فنية وقيمة جمالية، مما جعلها توصف بالصورة العجائبية، تثير في نفوس مشاهديها مشاعر وجدانية وإيحاءات روحية مختلفة، وقد تغنى به أحد الشعراء قائلًا:
يا صباحًا بدير مران راقا
ومشت نسمة تؤمك حتى ... رفعت بالعبير فيك رواقا
ونظرنا من ربوة الشام مرأى ... قلبنا لم يزل له مشتاقا...