وقد اعترضت المؤلف مشكلة فصل ما في الشام عامة عمّا قيل في دمشق من شعر، وليس الفصل بينهما بالأمر اليسير، فاللفظتان تتعاوران الدلالة حينًا، وقد آثر حلًا للمشكلة أن يختار من الشعر ما قيل في دمشق المدينة وضواحيها، وهو ما يُعرف اليوم بمحافظة دمشق وريفها.
ودفعًا لاتساع الأمر وتشتت القارئ وتضخيم الديوان، لجأ إلى اجتزاء أبيات من بعض القصائد تتصل بهذا الغرض وترك ما عداها، وآخى فيما اختاره بين المقطعات التي لا تعدو البيتين أو الثلاثة، والقصائد الطويلة التي تتجاوز أبياتها صفحة أو أكثر، مثلما فرض عليه الترتيب الهجائي للقصائد أن يجمع قديم الشعر إلى حديثه إذا اتفقت القوافي، وهو جمع من حسناته دفع الرتابة عن القارئ، لكنه لا يسمح بتقديم فكرة عن التطور الذي طرأ على معاني الشعر وأساليبه واتجاهاته في موضوع القصائد.
موقف بعض الشعراء من دمشق:
ومما جاء في الديوان من تعريض بعض الشعراء بقلة وفاء أهل دمشق قول"محمد رحمة الله الأيوبي":
قالوا دمشق حوت كل المنى وزهت
فقلت: لكن بها قلَّ الوفاء فلا ... يُرى بها ذو وفاء غير مغلوبِ
ومما ورد في ذم هواء دمشق ومائها، قول الشاعر"الحسن بن صافي عبد الله ابن نزار البغدادي في الشكوى من دمشق: ... شعثاء يُكرَهُ ماؤها وهواؤها"
ولأُرحلنّ مطيتي عن بلدة
ولأزجرنّ العيسَ عنها مُعْرضًا ... إنْ أقدرتني دولة ولواؤها
والحق أن موقف بعض الشعراء من دمشق وأهلها هو نتيجة عوامل ذاتية بحتة كقول"فتيان الشاغوري": ... بصيرون لكن قد عموا عن محاسني
أراني غريبًا عن دمشق وأهلها
فيا ضيعتي فيهم وفضلي ظاهرٌ ... كأني لديهم مصحف عند باطني
وهذا الشاعر سليط اللسان لا يتورع حتى عن ذمّ قومه أهل الشاغور ويتهمهم بكل نقيصة: ... يرون الفخر كونهم لصوصا
وبين نُهيْرَي الشاغور قومٌ
فكلّهم متى يظفر بشاة ... تحوّل شوحةً تغتال صوصا
وما طبخت قُدُوْرُهُمُ حلالًا ... فليتهم بها طبخوا مصوصا