فهرس الكتاب

الصفحة 12318 من 23694

صحيح أننا كنا نمر بالحي مرتين في الأكثر كل سنة، صبيحة اليوم الأول من عيد الفطر وعيد الأضحى، فنزور عمتي معايدين، ونشرب فنجان القهوة ونتناول الحلوى.. ثم نمضي. وأنا شخصيًا، مرت بي ظروف قاهرة، منعتني سنوات حتى من زيارة قبر والدي في تربة الباب الصغير والمرور لتهنئة عمتي بالعيد، وهي التي كنت أشم منها وحدها رائحة المرحوم أبي..

ولكن هذه الزيارات جميعًا لم تكن لتعني أن الواحد منا، قد استطاع أن يعود إلى تلمس الحبل السري، أو أن يراجع الذكريات الغافية، الغائبة بعيدًا في الزمان والمكان..

.. وعندما هاج بي الحنين ذات يوم إلى مرابع الطفولة، فقد كنت أعلم أن الأمر يحتاج إلى عدة زيارات. تمامًا مثلما يحدث للحاج الذي يشعر بأن حجة واحدة لا تكفي..

وإذا كانت الأيام التالية، قد مكنتني من أن أمعن في البحث والتقصي، إلا أن انطباع الزيارة الأولى، ظل هو المهيمن والمسيطر على لحظاتي النفسية جميعًا.

أردت قبل كل شيء، أن أطمئن على معالم الحي العمرانية، ففوجئت بأن بعضها قد تغير تمامًا، وكان ذلك قد حدث بالطبع، قبل السبعينات إذ شمل مرسوم أصدره الرئيس حافظ الأسد، دمشق القديمة داخل السور، بالحماية من الهدم.

وكان في الحي واحد من خانات دمشق القديمة، هو"خان النحاس"، وقد ظل حتى الأربعينات يقوم بوظيفة الخان التاريخية: الطبقة الأولى فيه اصطبلات للدواب ومخازن للبضائع.. والطبقة الثانية لإقامة النزلاء..

وأذكر أن أحد أركان الخان كان يشهد نحر الجمال، لتسلخ من ثم ويبيع لحمها جزارون خاصون في الحي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت