فهرس الكتاب
ولقد نهض مكان الخان والدكاكين والحوانيت المجاورة جميعًا، بناء حديث ضخم، ألقى بظلاله الثقيلة، على كل المواضع التي كانت تشهد جزءًا هامًا من نشاط الحي التجاري: أبو شاكر الحلاق الذي كان أول إنسان في هذا الحي أضع رأسي بين يديه. وإن أنسَ لا أنسَ كرسيه الخشبي الأنيق، وتلك السنّادة الخشبية الضيقة المتطاولة التي تنزلق على مسننات حسب ارتفاع هامة الزبون، حتى إذا استقرت أرخى رأسه نحو الوراء مستريحًا على طراحة سوداء صغيرة. ويا الله.. كم كان يطربني صوت السنّادة وهي تنزلق.. في تكتكة لطيفة. وعند الباب كانت تتدلى حبال تسد المدخل تمامًا، وفي كل منها قطع من الخيزران بطول إصبع صغير، وبين الواحدة والأخرى خرزة ملونة. وكان ذلك لمنع دخول الذباب إلى الدكان.
وكان أبو شاكر يرتدي قنبازًا حريريًا من نوع الصاية، ويلف حول وسطه زنارًا، حريريًا هو الآخر.. مثلما كان بعض الرجال يرتدي في أواخر القرن الماضي ومطلع هذا القرن.
.. وغير بعيد عن أبي شاكر، كانت دكان أبي صادق، وقد حفلت برفوف خشبية على بعضها قطرميزات فارغة.. وبعضها الاخر كان شاغرًا تمامًا، إلا من القطط التي كانت تتناثر في جوانب الدكان..
حسبت في البدء أن أبا صادق بائع قطط، ولكنهم صححوا لي أنه من أهل الله، وأنه أخذ على عاتقه العناية بقطط الحي جميعًا.. وهناك من أجل الخير من يعينه في شأنه هذا. كانت دكان نجارنسيت اسمه، لكني أذكر أنه كان يُعنى بصناعة إطارات الصور:"البراويظ"وقد صنع لي مرة إطارًا صغيرًا وضعت فيه صورة والدي الذي رحل منذ سنوات، ومازلت أحتفظ حتى الآن به.. وبالصورة ذاتها.