فهرس الكتاب

الصفحة 12320 من 23694

والتالي كان عجوزًا مقلع الأسنان لكنه يضع على رأسه عمّة من نوع"اللام ألف"الأغباني وينادي باستمرار على بضاعته من الفواكه بصوت متقطع متهدج. وكان متخصصًا ببيع الفاكهة البائتة التي حال لونها قليلًا وانزاحت قشرتها. ومن أجل الترغيب في شرائها فقد كان ينادي هكذا:"المعاين.. حلو"-والمعاين تعني الفاسد قليلًا-.

أما ابو فايز الزيبق، فقد اختص ببيع الفحم والدقّ للحي كله، وهما زاد المناقل التي كان الدمشقيون يفتنّون في صنعها من النحاس، الفحم يشعل في باحة الدار، في وعاء خاص يدعى"الشعالة"، في انتظار أن ينفث غاز الفحم السام ويغدو جمرًا، وحينئذ يوضع الدقّ وتحته قليل من الرماد:"الصفوة"وفوقه الفحم المتوهج، فإذا ذوى وترمد، حان موعد اشتعال الدقّ. وكانت سهرات الشتاء تتم حول المنقل، وعليه أو في جانب من الجمر أو الدقّ تُغلى القهوة ويصنع الشاي.. وفي بعض الأحيان البطاطا.. وربما: البيض..

.. أما المدفأة، فكانت أكثر ما تستعمل عند الصباح، زادها الحطب، من خشب المشمش أو الزيتون.. على أن في الدار غرفة صغيرة يخزن فيها الحطب، منذ أوائل فصل الخريف. وكنت أرى الحطابين، يتجولون في أنحاء الحي، وأمامهم الجمال المحملة بجذوع الأشجار وعلى أكتافهم الفؤوس الحادة لتقطيعها.. وكانت هذه مناسبة جميلة لنا نحن الصغار، فنتجمع حول الحطاب، لنراه كيف ينيخ جمله على الأرض، وينزل الجذوع المربوطة بحبال على جانبي السنام.. ثم يبدأ تقطيعها وتكسيرها، قطعًا في حجم تستوعبه المدفأة.

.. أذكر أن أمي رحمها الله، كانت تغرينا بالاستيقاظ باكرًا، بعد أن صحت قبلنا بزمن، بأن تقول: إنها أعدت لنا"حريرة"لا تزال حارة.. على المدفأة.

كان ذاك هو الجانب الشرقي من خان النحاس.. أما الجانب الجنوبي، المطل على الشارع الرئيسي، وهو جزء من الشارع المستقيم الممتد من باب الجابية حتى باب شرقي، فقد اختفى أيضًا بطبيعة الحال.. ولكن بعض شاغليه ما يزال في الذاكرة..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت