فهرس الكتاب

الصفحة 12330 من 23694

على أن هؤلاء الشبان أنفسهم كانوا يتشاجرون في كل مساء تقريبًا. لماذا؟ لست أدري. ولكنني كنت أرى بين مساء وآخر، واحدًا منهم وقد طعنه آخر بخنجر أو موس كباس، والرجال مجتمعون.. ورجال الشرطة يخفّون من مخفر الحي القريب لحسم الموقف. الغريب في الأمر أن بعض هؤلاء كانوا من المشاركين في مقاومة الاستعمار الفرنسي، وخاصة الإضراب المشهور عام 1936. وأدى بعضهم أدوارًا مشرفة في شهر أيار 1945، يوم اندلعت المظاهرات في مختلف أنحاء سورية، منادية بالجلاء وإنشاء الجيش السوري.

أطرف ما في الأمر أن واحدًا من هؤلاء وكان يلقب بأبي دعاس، واسمه تيسير العماوي -وقد كان بطل قصة قصيرة لي عنوانها: حكاية مطواة -تشاجر مع آخر، ففر هذا أمامه.. فلحقه حتى باب توما.. وهناك ضاع المطارَد في غبشة المساء بين الناس، فلم يكن من العماوي الذي كانت مطواته بيده، إلا أن رفعها في الهواء وصاح: العماوي يسحب موسه ويرجع بلا دم.. وطعن نفسه.

ولكن أمسيات الحي لم تكن دامية جميعًا، فقد كانت تقوم زينات باذخة عند المساء على جانبي الشارع المستقيم أمام مسجد الحي وقبالته.. فتعلق السجاجيد، وعند أطرافها أغصان الزيزفون، يؤتى بها من الغوطة، وفوقها تعلق أيضًا السيوف والتروس وصورة رئيس الجمهورية السيد شكري القوتلي.

وكان عيد المولد النبوي الشريف، وعودة بعض الوجهاء في الحي من الحج مناسبة لإقامة هذه الزينات، وإذ يخلو الطريق تقريبًا من مرور العربات والعجلات، كان يبدأ الاحتفال.. فينبري بعض الأقوياء، بلباسهم التقليدي الذي كان شائعًا في الحي: الشروال، والصدرية، والميتان، والشملة، ويتبارون بلعبة الخيزرانات الطويلة"الحكم"، في يمين الواحد منهم خيزرانة وفي يسراه ترس مستدير من القماش الذي يغلف لبادة غليظة مهمتها تلقي الضربات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت