فهرس الكتاب

الصفحة 12329 من 23694

وفي الطريق إلى الناصري، تذكرت واحدة أخيرة من المهن التي انقرضت أيضًا: الرشاش. كان ذاك أبا محمود الأطرش. وكان أطرش حقًا. عرفته تمامًا، وكان ابنه"خيرو"من زملائي في المدرسة. أزرق العينين، في قامة مربوعة، منحن قليلًا، وعلى ظهره ربطت قربة جلدية ملأها ماء، وراح يرش دروب الحي، في حين يتبعه كنّاس.. يتولى التنظيف بعده.. ولم يكن أنظف من حينا.. يومذاك، رغم أن بعض دروبه كان ترابيًا.

كانت الطنابر هي وسيلة النقل الأولى في حينا. وكان لها نوعان: واحد مربع الشكل تقريبًا بعجلتين، في مساحة تناهز مترين مربعين، تحيط به من جانبيه دفتان خشبيتان ترتفع الواحدة منهما أقل من نصف متر، على أن تُحصر البضائع المنقولة بين هاتين الدفتين. وكثيرًا ما كان ينقل الآجرُّ والتراب والرمل على هذه الطنابر التي يجرها بغل متين.

أما النوع الثاني فقد كان متطاولًا يكاد يبلغ طوله ثلاثة أمتار، لكنه ضيق نسبيًا. وبست عجلات أصغر، من عجلات النوع الأول، ويجره في الأغلب ثلاثة خيول، مربوطة على التوالي، وكان مخصصًا للنقل السريع، ذاك أنه كان يمر في الحي، في مثل لمح البرق.

.. وبين وقت وآخر كانت تمر عربات الركاب يجرها حصانان.. أما السيارات الشاحنة فقد كانت تجوز الشارع المستقيم أحيانًا لكنها كانت قليلة.. وأما سيارات الركوب، فكان مرورها نادرًا.

وأذكر أن شيخ حارتنا توفيق القباني، وكان لديه مصنع للسكاكر والملبس في زقاق معاوية بالحي، وهو من الذين دعموا رجال الثورة السورية ماديًا ومعنويًا، وهو والد الشاعر نزار قباني، أقام وليمة عام 1947 للممثل الكوميدي المشهور بشارة واكيم، لبناني الأصل الذي كان وجوده ضروريًا بلهجته اللبنانية الأصلية في الأفلام المصرية. وحين ظهرت السيارة التي تقله في مصلّبة الحي، أصر الشبان على أن يحملوها.. ويرفعوها بأيديهم. ولست أدري إن كان ذلك احتفاء بالممثل فحسب.. أم فرحًا بدخول مثل هذه السيارة الجميلة حينًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت