فهرس الكتاب

الصفحة 12328 من 23694

وكان في الحي اثنان مهنتهما تأجير وإصلاح الدراجات الهوائية:"البسكليت"والواحد منهما اسمه"بسكليتاتي"، فكنا نستأجر من أحدهما دراجة نذهب بها إلى الغوطة الشرقية.. فإذا استأجرناها طوال الليل:"ليليّة"ذهبنا أبعد من ذلك.. وكان أقصى مكان نذهب إليه هو"السيدة زينب". وكان حلم الواحد منا أن يحصل على دراجة خاصة به.

يرتفع حي مئذنة الشحم في جانبه الشرقي رويدًا رويدًا، حتى يعلو عند تلتي النجارين والسماكة ارتفاعًا يلفت النظر، عن مستوى الشارع الذي يتوسط الحي، ثم ينحدر جنوبًا نحو زقاق يدعى"زقاق الناصري". وفيه مقام"الولي الناصري".. ما يزال قائمًا حتى الآن، قبالة المنزل الذي ولد فيه الشاعر الكبير نزار قباني.

وهناك مقهى الناصري، وفرن الناصري وحمام الناصري. فأما المقهى فما يزال على حاله حتى الان تقريبًا، وإن يكن رواده قد أمسوا قلة قليلة.. وأما الفرن، فما برح حتى الآن، وإن يكن صاحبه قد توفي قبل سنوات، وكان اسمه"إسماعيل منكيرة"إلا أن الكثيرين كانوا يدعونه"هتلر". وكان هذا هو الآخر معجبًا بهتلر، في أوج عزته وقوته.. وكانت له مواقف في هذا المجال إبان الحرب العالمية الثانية، فقد كان مؤمنًا بعظمة هتلر وحبه للعرب وانتصاره لهم. وكان يقول: انتظروا.. تروا. وكان له شاربان مثل شاربي هتلر تمامًا: فراشة تحت أنفه. وأما الحمام الذي كانت أمي تأخذني معها إليه، بين أفراد الأسرة، فقد غدا مستودعًا. في آخر مرة ذهبت مع أمي إلى هذا الحمام، وكنت في الحادية عشرة، ولكن شكلي وطولي كانا يوحيان بأكثر من ذلك، فما إن أبصرتني النساء المستحمات، حتى اشتعلت ثورة بينهن، وأخذن يقرعن أجران الحمام بالطاسات ويولولن، قائلات: المرة الجاية.. جيبي أبوه معك.. وكان أن تداركت الأمر القيمة على الحمام، فأفردت لنا مقصورة وضعت على بابها ستارة، ورجت أمي بحب أن لا تعود إلى مثلها..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت