فهرس الكتاب
ولما عكف ابن رشد على تلخيص كتب أرسطو المترجمة وجد أن آراءه قد امتزجت بغيرها مما جاء في الفلسفة الأفلاطونية والفلسفة الأفلاطونية الحديثة أو في شروح أرسطو نفسه. لذلك عمد إلى تجريد أقواله تجريدًا دقيقًا وإلى شرحها فكان أكبر الشراح فهمًا لأرسطو وإيضاحًا لآرائه. وشروحه هذه ثلاثة أنواع: فهي إما جوامع وإما تلخيصات وإما شروح مطولة. في الجوامع يهمل النص ويعرض موضوع الكتاب وبحوثه. وفي التلخيصات يورد النص الأصلي بشكل واضح ويعرض آراء المفسرين ويناقش ويرجح. وفي الشروح المطولة يورد النص الأصلي مستقلًا ثم يفسره ويعلق عليه ويناقش المسائل التي يثيرها النص، ويعرض فيها رأيه الخاص. وقد ترك في ثنايا شروحه نظامًا عقليًا متماسكًا هو الفلسفة الرشدية، لها خصائصها، تقف إلى جانب الفلسفة الأرسطوطاليسية وتشدّ أزرها. ونظرًا لهذه الشروح الدقيقة دعي ابن رشد بالشارح وأحيانًا بالشارح الكبير.
أشد ما تتسم به فلسفة ابن رشد اتجاهها العقلي. وقد ترجم أكثر كتبه إلى اللاتينية. بدأت ترجمتها منذ منتصف القرن الثالث عشر الميلادي. فانتقلت آراؤه إلى الغرب وفهمها الذين ينشدون العلم والفلسفة كل حسب استيعابه وميوله. فنشأ في ذلك الوقت تيارات فكرية وسِمت بالرشدية اللاتينية. وهي وإن انتسبت إلى ابن رشد لم تكن التعبير الدقيق عن آرائه. بيد أنها تدخل في نطاق الفلسفة الأرسطوطاليسية. وكان الغرب في حاجة إليها لاتجاهها العقلي فأفاد منها الكثير من علماء ومفكرين. بل انتحلوا قسمًا منها. وكان لها أثر عميق في يقظة الغرب كما كانت حافزًا على البحث والتمسك بالبرهان. يضاف إليها طرائق الملاحظة والاستقراء والقياس والتجريب التي امتازت بها الحضارة العربية الإسلامية.
ويطيب لنا الآن أن نلخص قصة حي بن يقظان ثم نعلق عليها تعليقات مناسبة. ونحافظ في التلخيص على أكثر عبارات المؤلف.