فهرس الكتاب
يشرح ابن طفيل في هذا النص نشوء المضغة وتخلُّقها ويستمر في بيان تكوّن مختلف الأعضاء من قلب ودماغ وكبد متضامنًا بعضها مع بعض بحيث يتكفل القلب بالحرارة والدماغ بالحس والكبد بالغذاء. وإنما حصل هذا التضامن بنشوء مسالك وطرق بعضهما أوسع من بعض بحسب ما تدعو إليه الضرورة فكانت الشرايين والعروق وارتبط بعض الأعضاء ببعض على شكل مراتب من رئيس ومرؤوس.
ولما كمل خلق هذا الكائن على حسب ما وصف الطبيعيون خلقة الجنين في الرحم وتمّت أعضاؤه وصار في حد خروج الجنين من البطن بعد أن جللته أغشية انشقت تلك الأغشية بشبه المخاض وتصدع باقي الطينة إذ كان لحقه الجفاف."ثم استغاث ذلك الطفل عند فناء مادة غذائه واشتداد جوعه فلبته ظبية فقدت طلاها".
نلاحظ في هذا الوصف كيفية نشوء الحياة الإنسانية على وجه الأرض وهي تعاون ما كانوا يسمونه الأركان الأربعة وهو امتزاج الحار (النار) والبارد (الهواء) والرطب (الماء) واليابس (التراب) في سبيل اعتدال المزاج والتهيؤ لتكون الأمشاج كما يتصور الأطباء الطبيعيون القدماء، ثم اتصل الروح كشعاع الشمس الفائض بذلك المزاج وتلك الأمشاج. وعند هذا الاتصال والتعلق استجابت جميع القوى التي سلف ذكرها وخضعت للروح وكأن تلك القوى كانت بمنزلة الملائكة التي سجدت لأبينا آدم.