فهرس الكتاب

الصفحة 12366 من 23694

الرواية الثانية في ولادة حي ين يقظان أنه"كان بإزاء تلك الجزيرة جزيرة عظيمة متسعة الأكناف كثيرة الفوائد عامرة بالناس يملكها رجل منهم شديد الأنفة والغيرة. وكانت له أخت ذات جمال وحسن باهر فعضلها ومنعها الأزواج إذ لم يجد لها كفوًا. وكان له قريب يسمى يقظان فتزوجها سرًا على وجه جائز في مذهبهم المشهور في زمنهم، ثم إنها حملت منه ووضعت طفلًا. فلما خافت أن يفتضح أمرها وينكشف سرها وضعته في تابوت أحكمت زمّه بعد أن أروته من الرضاع وخرجت به في أول الليل في جملة من خدمها وثقاتها إلى ساحل البحر وقلبها يحترق صبابة به وخوفًا عليه ثم إنها ودّعته... ثم قذفت به في اليم فصادف ذلك جري الماء بقوة المد فاحتملته من ليلته إلى ساحل الجزيرة الأخرى..."

فأدخله الماء بقوته إلى أجمة ملتفة الشجر عذبة التربة مستورة عن الرياح والمطر محجوبة عن الشمس تَزْوَرُّ عنها إذا طلعت وتميل إذا غربت. ثم أخذ الماء في النقص والجزر عن التابوت الذي فيه الطفل وبقي التابوت في ذلك الموضع... فلما اشتد الجوع بذلك الطفل بكى واستغاث وعالج الحركة فوقع صوته في أذن ظبية فقدت طلاها... فحنّت الظبية وحَنَتْ عليه ورئمت به وألقمته حلمتها وأروته لبنًا سائغًا ومازالت تتعهده وتربيه وتدفع عنه الأذى"."

وإذا اختلفت الروايتان في نشأة حي فهما تتفقان بعد ذلك في معنى التربية وسيرورتها. ذلك أن الظبية التي تكفّلت به وافقت خصبًا ومرعى أثيثًا فكثر لحمها ودرّ لبنها حتى قام بغذاء ذلك الطفل أحسن قيام وكانت معه لا تبعد عنه إلا لضرورة الرعي. وألف الطفل تلك الظبية التي كان بحيث إذا أبطأت اشتد بكاؤه فطارت إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت