فهرس الكتاب
ولم يكن بتلك الجزيرة شيء من السباع العادية فتربى الطفل ونما واغتذى إلى أن تم له حولان وتدرج في المشي وأثغر فكان يتبع تلك الظبية وكانت هي ترفق به وتحمله إلى مواضع بها شجر مثمر فكانت تطعمه ما تساقط من ثمراتها الحلوة النضيجة، وما كان منها صلب القشر كسرته له بطواحنها، ومتى عاد إلى اللبن أروته، ومتى ظمئ إلى الماء أرْوَته، ومتى ضحا ظللته، ومتى خصر أدفأته، وإذا جن الليل صرفته إلى مكانه الأول، وجللته بنفسها وبريش كان هناك مما ملئ به التابوت أولًا. وكانا في غدوهما ورواحهما قد ألفهما ربرب يسرح ويبيت معهما حيث مبيتهما.
وعلى تلك الحال حكى الطفل نغمة الظبية بل جاوزها إلى حكاية جميع ما يسمعه من أصوات الطير والحيوان ولاسيما أصوات الظباء في الاستصراخ والاستئلاف والاستدعاء والاستدفاع فألفته الوحوش وألفها ولم تنكره ولا أنكرها. ومع ذلك كان يميل إلى بعض منها دون بعض.
ورأى جميع الحيوانات كاسية بالوبر والشعر والريش كما رأى ما لها من العدو والبطش ومالها من القرون والأنياب والحوافر والمخالب ووجد نفسه عاريًا عديم السلاح ضعيف العَدْوِ قليل البطش ففكر في ذلك وطال همه وهو قد قارب سبعة أعوام فاتخذ من أوراق الشجر العريضة ما يستر به بدنه وعمل من أغصان الشجر عصيًّا له هشّ بها على الوحوش المنازعة له، فعلا بذلك قدره عند نفسه. ثم رأى أن ليديه فضلًا على أيديها إذ كان يتصرف بها كما يريد. ولقد صادف في بعض الأيام نسرًا ميتًا فقطع جناحيه وذنبه صحاحًا كما هي وسلخ عنه سائر جلده وفصله على قطعتين ربط إحداهما على ظهره والأخرى على سرته وما تحتها وعلق الذنب من خلفه وعلق الجناحين على عضديه، فأكسبه ذلك سترًا ودفئًا ومهابة في نفوس الوحوش.