فهرس الكتاب

الصفحة 12368 من 23694

ثم أسنّت الظبية وضعفت فكان يرتاد بها المراعي الخصبة ويجتني لها الثمرات الحلوة ويطعمها، حتى أدركها الموت فسكنت حركاتها بالجملة وتعطلت أفعالها فجزع الصبي جزعًا شديدًا وكادت نفسه تفيض أسفًا عليها.

كان يناديها بالصوت الذي اعتاد أن تجيبه عند سماعه ويصيح بأشد ما يقدر عليه فلا يرى حركة ولا تغييرًا فشرع يستطلع سبب ما حصل ويبحث جميع أعضائها دون أن يرى آفة فيها إلى أن اهتدى إلى عضو في جانب الصدر ألا وهو القلب فنظر فلم ير فيه آفة ظاهرة ولكنه ألْفى فيه تجويفين أحدهما من الجهة اليمنى مملوء بعلق منعقد والآخر من الجهة اليسرى خال لا شيء فيه، فحدس أن الساكن في ذلك البيت قد ارتحل قبل انهدامه وتركه وهو بحاله وتحقق أنه أحرى ألا يعود إليه، وصار الجسد كله عنده خسيسًا لا قدر له بالإضافة إلى ذلك الشيء الذي ارتحل عنه. وتشتت فكره في ذلك كله وعلم أن أمه التي عطفت عليه وأرضعته وتعهدته إنما كان ذلك الشيء المرتحل وأن الجسد بجملته كالآلة وبمنزلة العصي التي اتخذها هو لمآرب شتى. وفي خلال ذلك نتن ذلك الجسد وقامت منه روائح كريهة نفرته عنه. ثم سنح لنظره غرابان يقتتلان حتى صرع أحدهما الآخر ميتًا. ثم جعل الحي يبحث في الأرض حتى حفر حفرة وارى فيها ذلك الميت بالتراب. فحفر هو حفرة وألقى فيها جسد أمه وحثا عليها التراب.

وبقي على ذلك برهة يتصفح أنواع الحيوان والنبات ويطوف بساحل تلك الجزيرة فلم يجد لنفسه شبيهًا ووجد لكل واحد من أشخاص الحيوان والنبات أشباهًا كثيرة. وكان يرى البحر محدقًا بالجزيرة من كل جهة فظن أنه ليس في الوجود أرض سوى أرض جزيرته تلك، واتفق أن انقدحت نار في أجمة قصب أجوف على سبيل المحاكّة فهاله منظرها. فوقف يتعجب فيها مليًا ثم دنا منها ومد يده فلما باشرها أحرقت يده، فاهتدى إلى أن يأخذ منها قبسًا لم تستول النار على جميعه فأخذه بطرفه السليم وحمله إلى موضعه الذي يأوي إليه وهو جُحْر استحسنه للسكن قبل ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت