فهرس الكتاب
نلاحظ أن تلك الرؤى والآراء التي تتشوف نحو عالم مثالي وحياة إنسانية فضلى كانت تظهر في إبان الفتن والقلق الاجتماعي والأزمات السياسية. فكان الفلاسفة يلجؤون إلى تدبيج المؤلفات التي تتألق بأحلامهم المتوهجة ورؤاهم المتوهمة، وهم يطمحون إلى التغيير والإصلاح كما سلف ويتصورون الناس في حياتهم الاجتماعية المثلى.
وهكذا يمكن أن نعد حي بن يقظان من الكتب الطوباوية. ولكنها على خلاف جميع الكتب السالفة طوباوية فردية. فهي لا تتحدث عن نظام اجتماعي إنساني وإنما تعرض حياة طفل إنساني عاش منفردًا واستطاع أن تكون معيشته بعد الجهد مثالية تعتمد على الذكاء والعقل كما تعتمد على الاكتفاء الذاتي ويصل فيها بعد لأي ومشقة إلى أعلى درجة يستطيع مفكر متوحد أن يصل إليها. وبهذا الاعتبار تختلف عن جميع المؤلفات الطوباوية.
يقول أرسطو في حقيقة الإنسان: إنه حيوان مدني أي اجتماعي، ولا يمكن تصور كائن يكتفي بذاته ولا يحتاج إلى غيره ولا يشارك في مجتمع إلا أن يكون وحشًا من الوحوش أو إلهًا من الآلهة. ومع ذلك فحيّ قد استطاع أن يفعل ذلك بعد أن رئمته أمه الظبية ويقترب في مسالك حياته وتجليات تفكيره وآرائه في الخير والعبادة والتجرد من صفات الإله,
إن القسم الأخير من رسالة حي بن يقظان ذو شأن كالقسم الأول منها. نشعر أن ابن طفيل لم يكن راضيًا عن المجتمع الذي كان يعيش فيه ولا عن غالبية الناس الذين كانوا يؤلفونه. يقول في بطله حي: إنه ظن"أن الناس كلهم ذوو فطر فائقة وأذهان ونفوس عازمة ولم يكن يدري ماهم عليه من البلادة والنقص وسوء الرأي وضعف العزم وأنهم كالأنعام بل هم أضل سبيلًا".