فهرس الكتاب

الصفحة 12391 من 23694

ولما جاء حي مع أبسال إلى الجزيرة الثانية ورأى ما هم فيه من الضلال أشفق عليهم وطمع أن تكون نجاتهم على يديه. فتصفح طبقاتهم ورأى"أن كل حزب بما لديهم فرحون. وقد اتخذوا الهمم هواهم ومعبودهم شهواتهم وتهالكوا في جمع حطام الدنيا. ألهاهم التكاثر حتى زاروا المقابر. لا تنجح فيهم الموعظة ولا تعمل فيهم الكلمة الحسنة، ولا يزدادون بالجدل إلا إصرارًا. وأما الحكمة فلا سبيل لهم إليها ولا حظ لهم منها. وقد غمرتهم الجهالة وران على قلوبهم ما كانوا يكسبون"ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم". (سورة البقرة الآية 7) ."

وفحوى ذلك أن الدين الذي انتحلوه لم ينفذ إلى قلوبهم ولم يسطع نوره في أذهانهم وأن"حظ أكثر الجمهور من الانتفاع بالشريعة إنما هو في حياتهم الدنيا ليستقيم له معاشه ولا يتعدى عليه سواه فيما اختص هو به، وانه لا يفوز منهم بالسعادة الأخروية إلا الشاذ النادر. لقد فهم"أحوال الناس وأن أكثرهم بمنزلة غير الناطق"فيئس من هدياتهم كما يئس مؤلف القصة من أهل زمنه."

أيتوقف ابن طفيل عند اليأس أم يجد منفذًا آخر للتأثير في الناس بعد أن لخص لهم في القسم الأول من رسالته قصة المعرفة الإنسانية. لا شيء يفيد في رأيه سوى الفلسفة والحكمة ومخاطبة فطرة الإنسان السليمة وضميره الحي والدعوة إلى النظر والتأمل والحد من التهافت على جميع المال وكنز الذهب وإرضاء الشهوات وسوى الحث على الرقي شيئًا فشيئًا بالتجرد والمكاشفة والمشاهدة. ولتكن تلك الدعوة والمخاطبة على شكل قصة رمزية لا بإسداء النصائح وتقديم المواعظ. فالقصة تنويه بالحكمة وبإنعام النظر في أغراض الشريعة البعيدة الموازية لأهداف الحكمة في ترقية النفس وتحسين المجتمع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت