فهرس الكتاب
وإني لا أستبعد أن يكون جلال الدين قد حفظ كل هذه المتون، فمن أتم حفظ القرآن في الثامنة كان على إتمام حفظ هذه المتون في الخامسة عشرة أقدر، ومن سار هذه السيرة المباركة في طلب العلم كان جديرًا أن تتفتح أمامه سبله لا جهة ميسرة، ولاسيما أن عيونًا ترعاه، وقلوبًا تحنو عليه، وإخوانًا لوالده مازالوا على العهد، يأخذون بيده ويقيلون عثراته. وفي هذا العام نفسه (864هـ) أجيز جلال الدين بحفظ ألفية ابن مالك، وفي العام التالي قرأها قراءة دراية من أولها إلى آخرها على الشيخ محمد بن موسى الحنفي (20) ، وأجيز بالإفتاء والتدريس عام (866هـ) (21) ، وكان يحضر عدة مجالس علم في اليوم الواحد، ويقرأ على عدة شيوخ (22) ، حتى ليخيل إلى الناظر في سيرته أن الرجل لا يكاد ينام، وخاصة أنه شرع يكتب مسودات لبعض التصانيف، فقد كتب شرحًا منثورًا للآجرومية، أتبعه بشرح منظوم، وشرح كتاب الجمل للزجاجي، ووضع شرحًا على الكافية الكبرى لابن مالك (23) ... الخ، ثم غسل كل ذلك، فربما كان يجرب مقدرته على التصنيف ويدرب قلمه على التأليف، ولاشك أن همته كانت تمور بالمطامح ليكون مؤلفًا يذكره التاريخ في أعلام رجاله، وليكون في المستقبل حديث الكتب، كالشيوخ الذين يقرأ كتبهم. وتدل أسماء مؤلفاته التي غسلها (24) على توجهاته، وعلى الطريقة التي سيتبعها في التأليف، وهذه المؤلفات أنبأت أنه سيتجه اتجاهات علماء عصره، إلى وضع الحواشي، وإلى وضع المتن وشرحه، وإلى جمع الكتب وترتيب موادها، وإلى اختصار الكتب الكبيرة، وهكذا....