فهرس الكتاب

الصفحة 12485 من 23694

لقد سيطر هؤلاء العباقرة العرب بعقولهم النيرة ونفوسهم الطاهرة المخلصة على حضارة أوربا فترة طويلة من الزمن، فما الذي ميزهم عن مفكري العصور العربية الأخرى، فالمادة السنجابية والنخاعية البيضاء واحدة، لكن كما يبدو النفوس المعنية هي التي تغيرت.

إن استعادة ذكراهم ليست بكاء على الأطلال، فنحن كما قال أحدهم: لا نؤمن بالفتى الذي يقول كان أبي، بل نؤمن بالذي يقول هذا أنذا، بيد أنه مع الأسف، أصبحت هذا أنذا مصهورة مغلوبة على أمرها مليئة بالعقد والإيحاءات الخارجية، فاقدة شخصيتها تابعة وليست سيدة نفسها.

فها أنذا هذه بحاجة إلى دفع، إلى إثارة جدية، إلى تذكير بماض عريق كي تنهض، وتتذكر وترفض التبعية. وتعيد نشأتها وتتخلص من ماديتها وغرائزها، وهوى المذهب الذرائعي.

فإذا أردت استعادة ذكرى تاريخنا وشخصيتنا فليس لكي نرتد إلى الماضي، بل لنملك القدرة على التواصل ومواجهة المستقبل، ومن هنا كانت الحاجة إلى إعادة كتابة التاريخ على الرغم من تخوف بعضهم من أن هذه الإعادة نابعة من إيحاء خارجي، هدفه إصابتنا برد فعل ينتهي بنا إلى إحباط وتقوقع.. لا.. فالإيحاءات المعادية لأمتنا والحاقدة عليها، موجودة منذ قدم التاريخ، ولم تكن لتؤثر على تلك النفوس الجبارة الواثقة من نفسها ومن صدقها وتصميمها، لكن استطاعت هذه الإيحاءات، للأسف الشديد، أن تؤثر في بعض منا، لا لأنها قوية وصعب صدها بل لأن بعض النفوس ضعفت وهشت، وأصبح لديها الاستعداد لتقبل وتنفيذ ما تحمله لها تلك الإيحاءات.

إذًا يجب أن نعيد كتابة التاريخ القديم لنصحو من كبوتنا واحتضارنا على الرغم من المظاهر اللماعة والقشرة البراقة للحضارة التي نعيش فيها، ولنتحرر من كل التبعيات وخاصة التبعية الفكرية التي نجمت عن ضياع الذات والفراغ الفكري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت