فهرس الكتاب
كما تميز أطباء العرب بالعزة والكرامة وبمتابعة الدراسة مهما علت منزلتهم، من ذلك ما روي عن ابن المطران فقد قيل عنه أنه كان يغلب عليه الزهو بنفسه والتكبر حتى على الملوك، ولم يكن على شيء من ذلك، في أوقات طلبه للعلم، فإذا اقترب من الجامع ترجل وأخذ الكتاب في يده أو تحت إبطه بكل تواضع ولا يترك أحدًا من الغلمان يصحبه ولا يزال ماشيًا والكتاب معه إلى حلقة الشيخ الذي يقرأ عليه فيقعد بين الجماعة مستمعًا صامتًًا، إلى أن يفرغ الشيخ من القراءة، ويعود إلى ما كان عليه. وقد زعم الطب الحديث أن أول من عالج بالتخييل (علاج نفسي) هو الطبيب الشهير شاركو في القرن التاسع عشر. ويستشهد على ذلك بمعالجة فتاة جميلة أنيقة أصابها بكم نفساني عصي على المعالجة ولم يكن فيها مرض عضوي. وقد وضعها شاركو في مكان مناسب للإيحاء، وبعد أن سيطر عليها نفسيًا أوهمها بضرورة قص شعرها الجميل الذي كانت تعتز به كثيرًا فصرخت عند الوصول إلى قص الشعر وشفيت من بكمها. لكن الواقع أن المعالجة بالتخيل وبالطرق النفسية المختلفة، قد برع فيها الأطباء العرب منذ قرون. ومن ذلك ما روي عن نوادر أبي البركات هبة الله بن ملكان بن أوحد الزمان قد عالج مريضًا في بغداد مصابًا بالسوداء (المالنخوليا) ونجح في علاجه النفسي نجاحًا ممتازًا، كما ذكر الرازي شفاء عدة حالات نفسية عالجها بنفسه، منها معالجة أمير بخارى الذي كان يشكو من آلام نفسية المنشأ أقعدته عن الوقوف والمشي، وقد استعمل معه الرازي خطة معالجة نفسية ممتازة شفي بعدها ولا مجال لذكر هذه الحالات بالتفصيل لضيق الوقت.
ومن أقوال الرازي:"ينبغي للطبيب أن يوهم المريض بالصحة ويرجيه بها، وإن كان غير واثق بذلك، فمزاج الجسم تابع لأخلاق النفس"، وتلك نظرة نفسية عميقة جدًا تصدر عن طبيب قديم.