واسمحوا لي أن أنقل هذا الوسع إلى الوفاء وإلى محبة المرء وطنه وثقافته وتراثه. وأستطيع أن أقول عن ذلك الفتى الناشئ الذي تغرب إلى باريس وبالنظر إلى سعة قلب المحب المؤمن أنه حمل معه في قلبه حمص كلها بأحيائها القديمة ومروجها وكرومها والمدارس التي تعلم فيها ومشايخه وزملائه ومعارفه ومنازه عاصيها (الدوير والميماس والجديدة والخراب والمزرعة) ولم تفارقه صورهم وشؤونهم حتى يومه هذا ولكنه أيضًا لسعة قلب المؤمن المحب حمل في قلبه صور بلاد الشام ما عرفه منها بنفسه وما قرأه من طارف وتليد. ثم حمل بطريق ثقافته التراثية العتيدة العالم العربي كله قديمه وحديثه بمراحله الزمنية وحضارته الزاهية ومشكلاته الناشبة وكل ما وعاه وحواه من أخبار علماء وأدباء وفلاسفة وفقهاء وشعراء. كان ينفي في نفسه الماجن من أشعار الشعراء ويثبت الرفيع العالي. وكم من مرة ساجل في الخيال شعراء الجاهلية وتفتحت له هنالك معاني أبي تمام والمتنبي والبحري وأبي العلاء وغيرهم. كان يجري في نفسه حوار دائم بين ما يرى ويسمع ويدرس ويقرأ ويعلم وبين كنوز التراث العربي التي يعرف ثراءها وتألقها كما كان يعارض في نفسه ألفاظ الحضارة الجديدة وما يقابلها من مصطلحات عربية قديمة تطالعه في خاطره عفوًا أو يبحث عنها في ذاكرته القوية الواسعة. لذلك امتزجت ثقافته العربية المتينة بالثقافة الأجنبية الحديثة. ولكن بقيت تلك الثقافة العربية لديه هي المسيطرة على الثقافة الأجنبية والمحيطة بها لا العكس. وهكذا لما رجع وزاول التعليم والكتابة والنشر في الوطن العربي تيسرت له الإفاضة في كل شأن عويص كبحوث الفيزياء الحديثة وبحوث الديمغرافية الجديدة وأن يمسح عن دراريّ التراث غبار القدم ويجلوها متألقة في أضواء الفكر الحديث وكل ذلك بلسان عربي مبين.