وهكذا يمكن أن نورده مثالًا شاخصًا حيًا على أن الثقافة العربية في مرحلة الصبا هي الأساس المتين في الحفاظ على الهوية العربية الأصيلة وعلى نجاح مقاومة الثقافة العربية للغزو الثقافي الأجنبي. بل هي أكثر من ذلك. إنها الأساس في تجديد الثقافة العربية التليدة بحيث تستوعب أي نوع من أنواع الثقافة الحديثة. بل الخلاصة أنها غزو ثقافي عربي للثقافة الأجنبية.
فلا خوف من أي غزو فكري إذ توطد الأساس وأُشعِلَ من القلب النبراس.
لقد بلغ ذلك الأستاذ الآن من العمر مبلغًا وقد أعطى في صروف زمنه ما استطاع أن يعطيه -ولا فخر- من سلوك سليم وعيش مستقيم وعلم قويم وأدب وسيم.
ومع ذلك يشعر في جميع ذلك بتقصيره، ويود لو قَيّض المولى سبحانه وتعالى له نزرًا من السنين ليتم ما يريد ويرقم ما قد يفيد ويكمل ما قد يجدي إكماله.
وهو يحمد الله جل شأنه على أن أسبل عليه ثوب العافية والسلامة. وهو إذا ذكر قول الشاعر:
إن الثمانين وبُلِّغْتَها
يتمثل بقول شاعر آخر: ... قطعتها مثل عقود الجُمان
نحوَ الثمانين من العمر قد
ما أحوجت يومًا يميني إلى ... عصا ولا سمعي إلى ترجمان
حمص مدينته التي كانت أول أرض مسّ جلده ترابها يحملها دائمًا بحجارتها السود وقلبها الأبيض في سويداء قلبه. ربما تغيرت اللهجة فيها بعض الشيء وتغيّرت الطباع بين أهليها. ولكنه ما زال محافظًا على لهجته الأولى في كلامه ومحافظًا على سلامة قلبه وبساطة تصرفه كما شهر ذلك عن أهليها. ... طال الفراق على النائي وأضناه
لقد قرأ مرة أن صوفيًا تعشق سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام وكان يلهج بحبه وشغفه دائمًا. فرأى في المنام أو سمع هاتفًا يقول: لقد شغلت حب رسولي عني. فقال فورًا: وهل حبي للرسول إلا جزء من حبي لك. وهو الذي دلني عليك؟.