فهرس الكتاب
ورأى الدكتور الناقوري أن هذه الاصطلاحات دلت"على ثقافة قدامة العميقة وسعة مداركه وأكدت بما لا يدع أي مجال للشك على تأثره بالفكر الاغريقي وتمكنه من الفكر الأرسطي على الخصوص، كما أنها بينت من جهة ثانية أهمية نقد الشعر ومساهمة صاحبه الفعالة" (34) كما أنها كانت محاولة جادة"لتأصيل علم المصطلحات باتكائه على علوم جديدة في عصره مثل المنطق والأخلاق وعلى علوم عربية أصيلة منها العروض والقافية" (35) ثم إن هذه المصطلحات التي وضعها قدامة غير ملزمة لأحد إذا لم يقتنع بها، وذلك لأنه وضعها وضعًا لم يُسبق إليه يقول:"فإني لمّا كنت آخذًا في استنباط معنىً لم يسبق إليه مَنْ يضع لمعانيه وفنونه المستنبطة أسماءً تدل عليها، احتجت أن أضع لما يظهر من ذلك أسماءً اخترعتها، وقد فعلت ذلك، والأسماء لا منازعة فيها، إذ كان علامات، فإن قُنع بما وضعته، وإلا فليخترع لها كلُّ مَنْ أبى ما وضعته منها ما أحب، فليس ينازع في ذلك" (36) وهو بذلك يفتح الباب مشجعًا على وضع المصطلح النقدي إيمانًا منه بالترابط المنهجي بين العلم وبين مصطلحه، لأن العلم لا تنضبط حدوده ومعالمه إلا بلغته الاصطلاحية، وذلك"لأن السجل الاصطلاحي في كل فرع من العلوم هو الكشف المفهومي الذي يقيم للمعرفة النوعية سياجها المنطقي بحيث يغدو الجهاز المصطلحي لكل ضرب من العلوم صورة مطابقة لبنية قياساته التي متى اضطرب نسقها اختل نظامها وفسد باختلالها تركيبه، فتتهافت بفعل ذلك أنسجته" (37) لقد كان قدامة عظيمَ الإيمان والثقة بالقواعد، وبأن هذه القواعد يمكن أن تكون الأساس الذي يقوم علي نقد الشعر، لذلك اتجه إلى الضبط المنهجي لِما أصَّلَه بحيث أتى منهجه منطقيًا واضحًا، فلا عجب أن رأى فيه الدكتور الطرابلسي أنه"يقِفُنا لأول مرة في تاريخ الدراسات الشعرية عند العرب وربما لآخر مرة على أننا بصدد مشروع نقدي منظم وتام، تتسلسل فصوله تسلسلًا منطقيًا ولا يتحدث صاحبه إلا عن"