ويرجع اعتماد ابن خلدون على بعض المفهومات العلمية ومنها المفهوم الديموغرافي في منهجه العلمي في التأليف إلى حقيقة قررها من أن المؤرخ محتاج إلى مآخذ متعددة ومعارف متنوعة وحسن نظر وتثبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق. فالذي يعتمد على النقل دون الاعتماد على القواعد العلمية في التمحيص والتدقيق لم يأمن العثور ومزلة القدم والبعد عن الصدق.
فقد أورد في الصفحة التاسعة من المقدمة (طبعة -دار الكتاب اللبناني) أن الأخبار إذا اعتمد منها على مجرد النقل ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني ولا قياس الغائب منها بالشاهد، والحاضر بالذاهب، فربما لا يؤمن من العثور ومزلة القدم والحيد عن جادة الصدق).
ولقد وجه الدكتور طه حسين في تطبيق ابن خلدون لمنهجه العلمي باستخدامه متوسط عمر الجيل للتحقق من صحة سلسلة عدد الأجداد مطية ليثير بعض الشكوك في نسب ابن خلدون وبغض النظر عن قضية التحقق من النسب وعن صواب رأي طه حسين أو خطئه فإن ما يهمنا في هذا المجال هو الوقوف على صحة استخدام المفهوم الديموغرافي، ولكي يكتسب التحليل بعدًا مفيدًا ومعالجة جدلية فإننا ننطلق في مناقشة ذلك من خلال ما تطرق له طه حسين في هذا الصدد ثم ننتقل فيما بعد إلى مفهوم التزايد السكاني ومناقشة ما أثاره ابن خلدون فيما يخص منطقية وعقلانية الخبر الذي يتعلق بما وصل إليه سكان بعض الأقوام من حجم هائل خلال مدة معينة.
أولًا: استخدام مفهوم متوسط عمر الجيل:
وسنعالج تحت المضمون ثلاثة جوانب وهذه الجوانب تتطلبها طبيعة البحث الجدلية، ومنطقية التسلسل، وهي:
أ-اثارة الشك في نسب ابن خلدون.
ب-صحة استخدام المفهوم الديموغرافي.
ج-دحض الشك.
أ-إثارة الشك في نسب ابن خلدون: