وأول ما يطالعنا به ابن خلدون في مؤلفه هذا هو تطبيق منهجه العلمي على سلسلة أجداده التي تنتهي به إلى جده خلدون الذي وفد إلى الأندلس مع جند اليمن فيقول لا أذكر من نسبي إلى خلدون غير هؤلاء العشرة ويغلب الظن أنهم أكثر وأنه سقط مثلهم عددًا لأن خلدون هذا هو الداخل إلى الأندلس، فأن كان أول الفتح فالمدة لهذا العهد سبعمائة سنة فيكونون زهاء العشرين، ثلاثة لكل مائة، كما تقدم في أول الكتاب (ويعني بأول الكتاب المقدمة) .
ومن الملاحظ أن هذا النص أثار إشكالًا لدى الدكتور طه حسين في كتابه (فلسفة ابن خلدون الاجتماعية) أو بالأحرى فإن الدكتور طه حسين وجد وسيلة لإثارة الشك في صحة نسبه مستندًا إلى عبارة ابن خلدون (ويغلب الظن أنهم أكثر وأنه مثلهم عددًا) هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، فإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فإن المقام يدعونا إلى ما أورده الأستاذ محمد عبد الله عنان في كتابه: (ابن خلدون حياته تراثه الفكري) حيث أثار إشكالًا آخر أوقعه فيه عدم استشفاف المقصود من ذكر العرب في المقدمة لعدم فقهه أن استخدام كلمة العرب في المقدمة تنصرف إلى الأعراب بدلالة النصوص التي تدل على ذلك دلالة واضحة فاتهمه بأنه متحامل على العرب وأنه يعود إلى أصل بربري.
ولمناقشة رأي طه حسين لا بد من تناول جانبين هامين تثيرهما طبيعة المسألة الأولى وهو مناقشة ظن ابن خلدون المنحصر في نقص سلسلة الأجداد اعتمادًا على ما قرره من نهج في المقدمة، والثاني: اختبار قيمة ومجابهة رأي الدكتور طه حسين، أي أكان طه حسن حمل الشك على ما يثير الشك أم أن ابن خلدون كان يشك في صحة نسبه؟.
أما فيما يتعلق بالأستاذ عبد الله عنان فقد وقف عنده الأستاذ ساطع الحصري وقفة طويلة في كتابه دراسات عن مقدمة ابن خلدون المطبوع في بيروت عام 1943 وفنده تفنيدًا مقنعًا.