فهرس الكتاب
وأما الحث على ركوب البحر فنادر وقد كان لغرض واحد جلل هو الحج إلى بيت الله المقدس وليس ثمة سوى إشارات خاطفة تتوافر -كما يظن- عند بعض الشعراء الزهاد والفقهاء، ولا بّد للأندلسيين من قطع البحار والفيافي للوصول إلى بلاد الله المباركة وإقامة شعائره يقول أبو حيان من قصيدة وعظية: ... للحج فالحج للإسلام تكميلُ
وإذا قضيت غزاة فأتَنِفْ عملًا
واصل سُراك بسيرٍ يا ابن أندلس ... والطرف أدهم بالأشطان مغلول
يلاطم الريح منه أبيضٌ يَقِقٌ ... له من السُّحب المربدِّ إكليل
تعلو خضارة منه شامخ جلل ... سام طفا وهو بالنكباء محمول
كأنما هو في طخياء لجته ... أيم يفري أديم الماء شمليل
ما زالت الموج تُعليه وتخفضه ... حتى بدا من منار الثغر قنديل
فكبّر الناس إعظامًا لربهم ... وكلهم طرفه بالسهد مكحول
وصافحوا البيد بعد اليمِّ وابتدؤوا ... سُبلًا لها لجناب الله توصيل (18)
وقد يصح أن أقول أن هذه المقطعات القليلة التي فخرت بركوب بالبحر أو حثت عليه لم تصوره مخلوقًا جميلًا وديعًا بل على العكس تمامًا، وأن هذا الفخر لم يكن به وهذا الحث لم يكن لأجله فقد فخر الشعراء بركوبه لأنه دليل على الشجاعة والجرأة، وإن هو إلا تطور لموضوع فخر الشعراء بقطع المفاوز والمجاهل التي يخشى قطعها، وحث أبي حيان الناس على ركوبه كان لأجل قضاء فريضة الحج وحسب. لذلك لم تكن الصور الفنية للبحر صورًا زاهية يشرق فيها الأمل الضحوك وتثير جوًا من البهجة والسرور والجمال والطهر والعبق بل كانت تسدل ستائر العتمة والظلام وتكثر من الألوان القاتمة في اللوحة وتثير جوًا من التشاؤم والعبوس والحزن.