فهرس الكتاب

الصفحة 12973 من 23694

وفي الأبيات إشارتان بارعتان الأولى إشارة قرآنية إلى خبر إسلام بلقيس والثانية إشارة علمية إلى معرفة العرب أن الغيث ينشأ من البحر ولكن الشاعر يطوع هذا المعنى العلمي للمدح ويصوغه صياغة جديدة طريفة فـ"الممدوح كالغيث وهو قد طلع من البحر فهذه حجة جديدة لمن يقول إن ماء المطر"الغيث أصله من البحر" (15) . ... عن مقتضى كل مطويّ ومنشورِ"

ويتسع الأعمى التطيلي في هذا المعنى ويطيل ويبدع في وصف البحر وقت هدوئه ووقت هيجه، ويتجاذب أطراف المعاني حتى يرسم صورة رائعة لبأس الممدوح وكرمه المضاهيين للبحر الذي يركبه ويمخر عبابه -متصديًا مؤدبًا له- بسفينته التي يوليها الشاعر اهتمامًا كبيرًا يقول:

لك البسيطة تطويها وتنشرها

والبحر مضطرم الأمواج زاخرها ... ترى المعارف فيه كالمناكير

موف على النفس مستوف حُشاشتها ... يصوِّر الموت فيها كل تصوير

قل ما بدا لك إلا في غواربه ... تسمو بملء عيونٍ مثلِها صور

طورًا كما هزّ من عطفيه ذو خَنَث ... ناغي الصبا بين تنزيفَ وتفتير

وتارة مثل ما يهتاج مُختبل ... عالَ الأُسى غبَّ تعذيب وتعذير

ركبته تتصدى الموج عن عُرُض ... على مباح من الأهواء محظور

إذا طما موجه أو طم قمت له ... بمخبر عنه في البأساء مخبور

وكلما أربدَّ يستشري نداك له ... فطَبَّقَ الأرضَ مسجور كمسجور (16)

أما ابن الخطيب فيضيف إلى المشهد بحرًا آخر هو بحر الأعداء ومع ذلك فممدوحه يخاطر بنفسه ويعبرهما معًا: ... وهل فاز بالأخطار إلا المخاطر

وخاطرت بالنفس النفيسة دونها

وما كان يدري قيمة الدرِّ رَبُّه ... لو التزمت أصدافهن الجواهر

عبرتهما بحرين بحرًا من العدا ... وبحرًا من اللج الذي هو زاخر (17)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت