فهرس الكتاب

الصفحة 12977 من 23694

فقال لي: يا أبا محمد: تقدر على اختصار المعنى؟ قلت: نعم، وأنشدته: ... عليّ منه المعاطب

لا اركب البحر خوفًا

طين أنا وهو ماء ... والطين في الماء ذائب

فاستحسن ذلك إذ كان على الحال، وأقام عني أيامًا ثم اجتمعت به فأنشدني لنفسه في المعنى: ... فالبحرُ ماءٌ يُذيبه

إن ابن آدم طين

لولا الذي فيه يُتلى ... ما جاز عندي ركوبه

فأنشدته لي: ... ولله تصريف القضاء كما شاء

وأخضر لولا آية ما ركبته

أقول حذارًا من ركوب عبابه ... أيارب أن الطين قد ركب الماء (24)

ويركب ابن خفاجة البحر ساجيًا ولكنه لا يلبث أن ينقلب عليه فتصير أمواجه تناغي السحاب وترجح سفينتهم وتأخذها ذات اليمين وذات الشمال ويحملهم الموج -معها- أنى شاء ويرميهم كيف أراد وهم لا حول لهم ولا طول يطوقهم الماء وتناطحهم الريح ويبتلعهم الموج أو يكاد -فيذوق الشاعر منه الكروب الشديدة فـ"يذكر هول الموقف بالله تعالى فيحس بحضوره ويرى في الالتجاء إليه توبة وتضرعًا خير مخرج وأحسن خلاص" (25) فيعاهد الله ألا يعود إلى ركوبه ثانية إذا تكرم سبحانه عليه وأنجاه يقول: ... فيا لله إنا تائبونا

لئن كنا ركبناها ضلالًا

فأخرجنا على المرغوب منها ... فإن عُدنا فإنا ظالمونا (26)

وقد نجم عن مقاساة بعض الشعراء شدائد البحر ومعاناتهم المصاعب في ركوبه، أن كرهوا البحر وهجوه أو غضوا منه يصوغ ابن خفاجة الخبير بالبحر صورته المنفرة من صفات البحر ذاته وقال يغض من البحر: ... مهلًا فإني خبرته عِلما

يا مادح البحر وهو يجهله

فائده مثل قعره بُعدا ... ورزقه مثل ما به طعما (27)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت