فهرس الكتاب

الصفحة 12978 من 23694

وإني أوافق الأستاذ بومدين كروم في قوله عن موقف ابن خفاجة من البحر:"هذا هو موقف الشاعر من البحر، موقف الخائف القلق يرى في البحر شبحًا مرعبًا يذكر بالموت وينذر بالهلاك وقد رأينا موقفًا آخر مشابهًا لابن حمديس ولعلنا لا نخطئ كبد الحقيقة إذا قلنا أنه موقف شاعرنا العربي القديم عمومًا ولعلّ لضعف علاقته بالبحر بسبب بساطة الوسائل المتاحة له في ذلك الحين أثرًا في نشوء هذا الموقف المعادي وحدوث تلك النظرة المتشائمة إزاء هذه الظاهرة الطبيعية الملأى بالعجائب والأسرار" (28) ، ويعضد رأينا قول الأستاذ الجيلاني سلطاني في إشارته القصيرة عن البحر يقول:"وأما اهتمام الشعراء بوصف البحر فقد كان دون اهتمامهم بوصف النهر خصوصًا من حيث الأشعار التي قيلت في هذا وذاك ولعل السبب في ذلك أن صورة البحر كانت عندهم رمزًا للمهاول والمخاطر ومعنى من معاني الخوف والفزع" (29) . ... وذا البحر لا يألو عقوقًا لراكب

ويوازن أبو زيد السهلي بين البحر والبر ويفضل البر عليه مستغلًا طاقات اللفظ وشحناته في صنع صورة لفظية، فالبر بر كاسمه والبحر كما يقول مناقض لعكسه فمعناه خلاف ربح أي خسر يقول:

أرى البرَّ لا ينفك برًا بأهله

وما ذاك إلا أن هذا مناقض ... وهذا يُراعي وصله في المُناسب (30)

حقًا لم ير الشعراء من البحر إلا هذا المارد الجبار العنيد الذي لا يتراجع، وحق لهم فقد طوى البحر الكثير من الأحبة والأصحاب وابتلع أفلاذ الأكباد حتى صار مقبرة بحرية، يبكي المعتمد بن عباد أبناءه وأصدقاءه ونفسه تساقط حسرات عليهم أمام مطوقة تنوح: ... وأبكي لألاَّف عديدهم كثر

بكت واحدًا لم يُشجِها غير فقده

بُني صغير أو خليل موافق ... يمزق ذا قفر ويغرق ذا بحر (31)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت