فهرس الكتاب

الصفحة 12980 من 23694

لست أسرف إذا زعمت أن هذه الأبيات أجمل صبية صادفتها في مدينة الشعر الأندلسي وأنها من عيون الشعر العربي عامة، وقد بنى الشاعر قصيدته هذه على عدة دعائم من الصور -صورة موتها وحزنه- عتاب البحر- الاعتذار، ويرتفع الخط البياني للانفعال حتى يصل إلى أوجه في حديثه مع البحر ذي القلب القاسي، فهو البؤرة التي تلتقي فيها توهجات العاطفة وأشعتها اللاهبة، ولكن البحر لم يتكلم كما لم يتكلم الطلل البالي مع الشعراء القدماء ولم يغير من نشيده الصاخب ولم يجب نداءه واستعطافه وتضرعه. عزفت هذه الصور الفنية جميعًا بأدواتها الموسيقية الفريدة لحنًا جنائزيًا فريدًا فيه حسرة الشمس عند الأفول وحشرجات الرحيل الأبدي، نغمًا مؤثرًا شديد التأثير يدخل الآذان بلا استئذان ويسري في النفس مسرى النفس ويلج القلوب أشد القلوب فيجعلها تذوب. ... يميتني ذكرها ويحييها

وفي صورة أخرى مسكونة بشيء غير يسير من السحر، ممزوجة بحنين عاصف في مرثية ثانية- توشك أن تكون صلاة- تقطر حزنًا وترشح ألمًا تصور قلبه الذي لا يطيق على فراقها صبرًا فيأخذ منه الحزن كل مآخذ، ونفسه التي ذهبت عليها حسرات، وتروي مرة أخرى ذلك الحدث الفاجع يقول:

واوحشتا من فراق مؤنسة

أذكرها والدموع تسبقني ... كأنني للأسى أُجاريها

يا بحر أرخصت غير مكترث ... من كنت لا للبياع أغليها

جوهرة كان خاطري صدفًا ... لها أقيها به وأحميها

أبَتَّها في حشاك مغرقة ... وبت في ساحليك أبكيها

ونفحة الطيب في ذوائبها ... وصبغة الكحل في مآقيها

عانقها الموج ثم فارقها ... عن ضمة فاض روحها فيها

ويلي من الماء والتراب ومن ... أحكام ضدين حُكِّما فيها

أماتها ذا وذاك غيَّرها ... كيف من العنصرين أفديها (34)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت