فكان رائدًا في استمداد أعرق أشكال السرد عند العرب: الحديث أو الخبر ضمن صياغته الدينية، ولا سيما الأحاديث الشريفة. وكان عامدًا في اختياره، فقد أهدى كتابه:"إلى أبي رحمه الله، الذي رتلت معه صباي على أنغام القرآن وترجيع الحديث، مما لم أكن أفهمه طفلًا، ولكني صغت من إيقاعه منذ الصغر لحن حياة - ورباني على أن الوجود الكريم مغامرة طهارة، جزاؤها طمأنينة النفس الراضية في عالم أسمى فأسمى - وفي أثناء ذلك كله علمني بإيمانه سبيل إيماني" (2) .
وظف المسعدي طاقات الإسناد التقليدي في الأحاديث لأغراض القصة في بنية إيهامية عمادها التحفيز الجمالي الذي يجعل من الوحدات الشعورية والمعنوية سبيلًا لدفق تيار الوعي في استعارة شعرية جذابة لرواية الأحداث ووجهة النظر.
وحاول عز الدين المدني أن يوسع مجال السرد الديني الموروث إلى استعادة السرد القرآني في قصته التجريبية"الإنسان الصفر"وقد قال بالكلمة التالية في تقديمه لنصه القصصي:
"هذا تعبير رجل يبحث عن نفسه من خلال عالم اللغة والأشياء. وهو يختلف باختلاف ساعات النهار والليل وفيه من الغموض ما في أنفسنا، ومن البيان ما في ألسنتنا. وقصته دورة كونية تنطلق من الفجر لتتلاشى في الغسق. وأقسامها سبعة مواقيت متواترة. يستفيق الرجل وهو بين الحلم واليقظة ويعي نفسه والكون في"حزب الفجر"وستتلوه أحزاب"الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء والشفع والوتر" (3) ."
ولكن تلاعبه بدلالات الكلمات إلى حد الإيهام والثرثرة، وعبثه بالمحرمات إلى حد البهلوانية المضحكة، جعل محاولته نوعًا من التجريب الذي لا طائل وراءه. وقد لاقت هذه المحاولة نقدًا قاسيًا ربما كان السبب في إيقاف نشر بعض فصولها أو"أحزابها"، وعدم نشرها في كتاب بعد ذلك.