فهرس الكتاب
ومما يؤخذ على بعض العلماء خصوماتهم وتنافسهم للحظوة عند الحكام فكان ابن خالويه والمتنبي يتنازعان للحظوة عند سيف الدولة، وحاول ابن مجاهد الحط من القيمة العلمية لأبي بكر الشبلي، وقد يدفعهم تنافسهم على تولي الوظائف كالقضاء والولاية إلى التآمر، ودس بعضهم على بعض. وكان بعضهم يتوصل إليها بالوساطة وبشفاعة الآخرين، غضب عبد الله بن المبارك المحدث الثقة على (ابن علبة) لتوليه القضاء، وكتب له رقعة جاء فيها:
يا جاعل الدين له بازيًا
احتلت للدنيا ولذاتها ... بحيلة تذهب بالدين
أين رواياتك في سردها ... عن ابن عون وابن سيرين
إن كنت أكرهت فذا باطل ... زلّ حمار العلم بالطين
وقد يمتنع بعض كبار العلماء عن قبول الوظائف تعففًا من ظلم الناس، ويترفعون عن قبول أجر لما يقدمونه من تعليم، ولم تخل حياة العلماء من حسدٍ وطعن في الزملاء، فكان يحيى بن أكثم (ت 242هـ) يحسدُ حسدًا شديدًا (فإذا نظر إلى رجل يحفظ الفقه مسألة عن الحديث، فإن رآه يحتفظ الحديث سأله عن النحو ليقطعه ويخجله) . ... وما المرء في الأرض بالمعجز
لكن هذه الحالات كانت نادرة فكثير من العلماء كانوا أصحاب قلوب كبيرة وحسن تعامل ووفاء كبير لزملائهم، وإن كان بينهم من عرف بقلة الوفاء أو الوقيعة بين الزملاء أو الشماتة بوفاة خصم، وحتى في مجال الخصومة بين العلماء العرب والعجم، على الرغم من الشعوبية والرد عليها، فإنها لم تعكس ظاهرة عامة بل كانت العلاقات بين الطرفين تقوم على الود والاحترام المتبادل.