فهرس الكتاب
وكنت أبكي لفقد الجود مجتهدًا ... فصرت أبكي لفقد الجود والأدب
وكانت وصية العالم تحترم وتنفذ بدقة، وأثر عن العلماء مؤازرة زملائهم عند الحاجة، فقد أصيب أبو الحسن الكرخي المعتزلي بالفالج في آخر عمره، (ت 340هـ) فاجتمع العلماء وقرروا أن يكتبوا إلى سيف الدولة في طلب ما ينفق عليه، فسمع أبو الحسن فبكى وقال: اللهم لا تجعل رزقي إلا من حيث عودتني، ومات قبل أن يحمل سيف الدولة له شيئًا، وألف العلماء أن يتصاهروا فيما بينهم تقرَّبًا من سدنة العلم وإيمانًا منهم بفضل تربية العالم أبناءه، فقد تثقف فخر الدين بن عساكر (ت 620هـ) شيخ الشافعية بالشام على الشيخ قطب الدين النيسابوري وزوّجه بابنته، ومقابل ذلك، لم تخل حياة العلماء من خصومات فكرية أو مذهبية أملاها التعصب للمذهب أو العلم وضيق الأُفق. ومن أمثلة هذه الخصومات الصراع الفكري في مسائل النحو بين الكوفيين والبصريين، وأخبار هذه الخصومات مذكورة مشهورة منها خصومة الكسائي واليزيدي، والمبرد وثعلب، ومنها الخصومة بين الحنابلة والصوفية، وبين المتكلمين وغيرهم من أصحاب المدارس الفكرية، أو تلك المناظرات بين المسلمين وغيرهم، كالمناظرة التي قامت بين ابن بطلان النصراني وابن رضوان المصري، ولم تخل هذه المناظرات من خصومة كالمناظرات التي قامت بين الخوارزمي وبديع الزمان الهمذاني، وبين القالي ومحمد بن الخشاب. ... يصطاد أموال المساكين
وقد امتاز الكثير من العلماء المسلمين بالأمانة العلمية، وإسناد المعلومات إلى مصادرها الأصلية، وندر منهم من لم يتبع المنهج العلمي أو سلك طريق السرقة العلمية، فقد اتهم محمد بن حبيب (ت 245هـ) بأنه كان يغير على كتب الناس فينسبها إلى نفسه.