فهرس الكتاب
وترك المصري الدنيا من حوله وانصرف للعلم، وكان الفقهاء أقرب العلماء للسلطة بحكم حاجة السلطان إليهم في القضاء والتشريع، وقد نشروا أفكارهم وتميزوا في نظر السلطة منذ القرن الثاني للهجرة ويأتي بعدهم نفر من مؤدبي أبناء الملوك والوعاظ، على أن بعض العلماء كانت له مواقف صلبة من ذوي الشأن ملتزمًا قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألاَّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) فرفض أبو حنيفة منصب القضاء وأقام عليه ابن هبيرة الحدّ لذلك، وامتنع علي بن الحسين بن صالح البغدادي (ت 320هـ) من قبوله أيضًا فسجنه الوزير ابن الفرات، ورفض عبد الله بن مصعب الأسدي (ت 184هـ) منصب الولاية فأكرهه الرشيد على ولاية المدينة، مثلما رفض بعضهم عطاءات السلطة لأنها أو بعضها حرام في نظر بعض العلماء كالغزالي، ورفض القاضي محمد بن عبد الله عين الدولة شهادة السلطان الملك الكامل الأيوبي في مجلس قضائه، لأنه كان مولعًا بجارية اسمها عجيبة، وقضى الشيخ عز الدين عبد السلام بأن جماعة من أمراء الدولة الأتراك لم يثبت عنده أنهم أحرار فأفتى ببيعهم في سوق النخاسة وتوزيع أثمانهم على المسلمين مثلما أفتى بخيانة السلطان إسماعيل الذي تعاون مع الصليبيين وأعلن فتواه من على منبر جامع بني أمية بدمشق ونزع البيعة عنه فأمر السلطان بعزله، وكان بعضهم يتحدى أصحاب الشأن ولا يخضع له، فقد بعث الأمير خالد بن أحمد الذهلي والي بخارى إلى محمد بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح أن احمل إلي كتاب الجامع والتاريخ وغيرهما لأسمع، منك، فقال البخاري لرسوله: أنا لا أذلّ ولا أحمله إلى أبواب الناس. ... وذلك لما أعوزتك المآكل