فهرس الكتاب
وتولى نفر من العلماء وعظ أصحاب الشأن وإرشادهم. فقد قال الغزالي للسلطان سنجر بن ملكشاه السلجوقي: أسفًا، إن رقاب الناس المسلمين كادت تنقض بالمصائب والضرائب وركاب خيلك كادت تنقض بالأطواق الذهبية، مثلما أرسل رسائل مماثلة بالفارسية إلى الوزراء والولاة، منها رسالته إلى فخر الملك، وأخرى إلى مجبر الدين يقول فيها: إن إغاثة الخلق واجبة على الجميع وقد تجاوز الظلم الحدود.."وقد وصل الأمر ببعض العلماء إلى السيطرة على أصحاب السلطة كسيطرة المتكلمين والفقهاء على عقول الخلفاء، وسيطرة الصوفية بمصر منذ أيام ذي النون المصري، ويعود ذلك إلى مكانة العالم وإجلاله والخوف منه، ومن تعلق الناس به وسماع كلامه، وكان إجلال العالم يتعدى العالم المسلم فقد نال ثابت بن قره النصراني مكانة كبيرة في نفس المعتضد."
وحظي موسى بن ميمون اليهودي بمكانة مماثلة لدى حكام الأندلس، وبلغ من سمو منزلة العلماء أنهم كانوا يعينون بمراسم من السلطان ويخلع عليهم عند التولية، وكان من يعلم أبناء الوزراء والقادة منهم يحظون بالأعطيات والتكريم، وندب الحكام العلماء لمهمات جسيمة كالسفارة والوساطة والخطابة والقضاء، ولا سيما من كان يتمتع منهم باللياقة والدبلوماسية، فقد تولى أبو عبد القضاعي الفقيه والمحدث والمؤرخ (ت 454هـ) السفارة للخليفة المستنصر لدى تيودورا قيصرة الروم، وأرسل المسترشد بهاء الدين الأسفراييني إلى عماد الدين زنكي برسالة فيها خشونة فقبض عليه عماد الدين وأهانه، وكلف الحسن بن محمد الصغاني من الخليفة الناصر ليكون سفيرًا له لدى ملك الهند، ووفد ابن فضلان من قبل الخليفة المقتدر إلى ملك البلغار فأفاد من سفارته في تأليف رسالة عما شاهد في رحلته.