ولئن كان عمود الشعر في القصيدة التقليدية لا يروق بعض الناس في هذا العصر فقد كان في العصر الجاهلي مستمدًا من طبيعة البيئة ومتلائمًا مع ذوق العصر من حيث افتتاح القصيدة بالوقوف على الديار ثم يأتي النسيب ثم الخمر ثم الحكمة ثم موضوع القصيدة، ولكن مع تغير العصر تغير هذا اللون من التقسيم، فأي شاعر يسير على هذا المنوال الآن؟! وقد بدأ التغيير مع ظهور الإسلام الذي حرَّم بعض المفهومات الجاهلية وأبقى على كثير منها مما هو صالح للبقاء. ولكن يمكن أن نستلهم من روح القصيدة العمودية: التعلق بالأرض فالوقوف على الديار معناه الحنين والحب للأرض التي نشأ فيها الشاعر ونشأت فيها محبوبته. ونحن الآن أحوج ما نكون إلى هذا المبدأ الذي أخذ يضعف عند كثير من الناشئين الذين يرتمون في أحضان البلاد الأجنبية غير مكترثين بالوطن الذي أنشأهم وعلمهم وثقفهم ونمَّى مواهبهم. وكان عليهم أن يردوا لوطنهم هذا الجميل فإذا بهم يخدمون البلاد الأجنبية ويتناسون الوطن الأم وإن كان بعضهم يبقى متعلقًا بوطنه وهو بعيد عنه وبخاصة شعراء المهجر.
أما النسيب والوصف والحكم فهي موضوعات مستمرة وليست قاصرة على عصر دون عصر وإن اختلفت صور التعبير عنها من شاعر إلى آخر، وأما الأوزان والبحور والقوافي فقد ولدت من طبيعة الإنسان العربي ولم يسرقها ولم يستوردها ولم يستعرها وهي تتناسب مع رنة الكلمة العربية وأنغامها التي يصوغها الذوق العربي السليم.