ثم يتعاوران ذلك المكان، ويتعاقبان ذلك القرموص (7) وتلك الأفحوصة، يسخنانها ويدفيانها ويطيبانها، وينفيان عنها طباعها (8) الأول، ويُحدثان لها طبيعة أخرى مشتقة من طبائعهما ومستخرجة من رائحة أبدانهما وقواهما الفاصلة منها، لكي تقع البيضة إذا وقعت، في موضع أشبه المواضع طباعًا بأرحام الحمام، مع الحضانة والوثارة؛ لكيلا تنكسر البيضة بيبس الموضع، ولئلا ينكر طباعها طباع المكان، وليكون على مقدار من البرد والسخانة والرخاوة والصلابة، ثم إن ضَرَبها المخاض وطرّقت بيضتها بَدرَت إلى الموضع الذي قد أعدّته، وتحاملت إلى المكان الذي اتخذته وصنعته، إلا أن يُقرّعها رعد قاصف أو ريح عاصف، فإنها ربما رمت بها دون كِنّها وظل عشها وبغير موضعها الذي اختارته. والرعد ربما مرِق عنده البيض وفسد، كالمرأة التي تسقط من الفزع ويموت جنينها من الروع (9) .
ثم يصف مؤلف الحيوان عناية ذكر الحمام وأنثاه بالبيض فيقول:
"وإذا وضعت البيضة في ذلك المكان فلا يزالان يتعاقبان الحضن ويتعاورانه، حتى إذا بلغ ذلك البيض مداه وانتهت أيامه وتم ميقاته الذي وظّفه خالقه ودبّره صاحبه انصدع القيض (10) عن الفرخ فخرج عاري الجلد صغير الجناح قليل الحيلة منسد الحلقوم، فيعينانه على خلاصه من قيضه وترويحه من ضيق هوَّتِه" (11) .
لقد حسب بعض الباحثين أن غريزة الحب هي الأساس الأول للتجمع والحياة الاجتماعية على أن مثل هذا الحسبان يحتاج إلى فحص وتدقيق. ذلك أن ثمة درجات في التجمع المستند إلى هذه الغريزة تختلف من اجتماع وقتي يقع فيه الاقتران إلى اجتماع يستمر طول الحياة أحيانًا. بل قد تقع أحوال يصبح الذكر فيها كالطفيلي على الأنثى وكأنه عضو عندها زائد.