وفي الفصل الذي عنوانه:"نواحي الجاحظ"يحدد جبري منهجه في رسم صورة أبي عثمان، فيشير إلى أنه سيبدأ أولًا بالحديث عن وطن الجاحظ وحنينه إليه، ثم يتناول حياته (أهله وثقافته وأعماله ومَنْ خالط من الناس والأسفار التي قام بها) فإذا فرغ من ذلك تعرّض للكلام على ثقافته وأساتذته وأثرهم فيه، ثم يبرهن أن الجاحظ كان ابن عصره الذي اتّسم بحرية الفكر واتساع الثقافة وتشعبها وآثارها في معتقدات الناس، واختلاط العرب بالأعاجم، وينفذ من ذلك كله إلى تحقيق الجاحظ العلمي واعتماده التجربة والسماع، ثم يتحرى عن دينه ومعتقده وصلته بالاعتزال، ومدى تدينه وفهمه الدين، ومذهبه في التفسير والتأويل، وولعه بالتهكم وميله إلى الإضحاك، ومذهبه في النقد الأدبي، وميله إلى الأدب المجرد، وتحرره من قيود السجع والصنعة في التعبير، وواقعيته في رواية الأخبار وحرصه على سرد الواقعة بلغة الإعراب، وعنايته بالمناسبة بين المعاني والألفاظ وولعه بالتنقيح دون إفراط، لينفذ من ذلك كله إلى تفكيره، وفنه وتصويره، ولغته التي يحرص فيها على إنزال اللفظة منازلها وحرصه على إضفاء الحسية في تعابيره.
وهذا المنهج كما يتبين لنا منهج شامل، تأثّر فيه شفيق جبري بالدراسات الأدبية والنقدية المعاصرة دون أن يغفل الينابيع التراثية التي استقى منها مادته، فلنرافق جبري في رحلته مع الجاحظ في فصول كتابه الممتعة، التي تكشف عن ثقافة واسعة وتنقيب دقيق في ثنايا الكتب، وذكاء في اختيار مادة دراسته، وتحليلها لإبراز صورة الجاحظ حيةً ناطقةً.
وطن الجاحظ: