فهرس الكتاب

الصفحة 13176 من 23694

يقوم فن الجاحظ الأدبي على مبدأ لكل مقام مقال، وقد أحب الجاحظ الحياة فصوّر جوانبها في كتبه أجلَّ تصوير بلون من الواقعية، وتعلّق بحرية التعبير وإرسال الكلام على طبيعته دون تكلف. وهو في أدبه العقلي قليل التصوير، بعيد عن الصنعة والخيال، وصوره القليلة يقصد منها التوضيح لا التزيين، كتشبيهه رتل الذرّ بالخيط الأسود المحدود، أو تشبيه الموصوف بأشخاص معروفين، فأسلوبه أقرب إلى أسلوب العلماء الذين يعتمدون العقل ويجرون وراء الفكرة، من دون أن يبذل جهودًا في ترتيب أفكاره، فهو مولع بالاستطراد، يداخل بين الموضوعات ويطلق لفكره حرية التجول دون ضابط، ويعود ذلك إلى اتساع أفقه وغزارة معلوماته، وهو يبحث عن الحقيقة ورسم الواقع أكثر مما يبحث عن الزينة اللفظية في أسلوبه الأدبي كقوله في وصف قاضي البصرة:"لم ير الناس حاكمًا قط زميتًا، ولا ركينًا، ولا وقورًا حليمًا، ضبط من نفسه وملك حركته مثل الذي ضبط وملك، وكان يصلي الغداة في منزله وهو قريب الدار من مسجده، فيأتي مجلسه فيحتبي، ولا يتكئ، فلا يزال منتصبًا لا يتحرك له عضو، ولا يلتفت، ولا يحلّ حبوته، ولا يحلّ رجلًا على رجلٍ، ولا يعتمد على أحد شقيه حتى كأنه بناء مبني أو صخرة منصوبة" (19) ، وهذا هو التصوير الواقعي الدقيق الذي لا يتزيّد فيه، وإنما ينطق بالحقيقة، ويختار لتجسيدها أدق الألفاظ، فالجاحظ مصور واقعي، يعمد أحيانًا لتكرير اللفظ على سبيل التأكيد، وقد تتموج عبارته فتنبسط وتمتد، حتى تغيب في الذهن، أو يقطعها تقطيعًا موسيقيًا بما يحشد لها من عناصر الترادف والتوازن كقوله في وصف الكتاب:

"اللهم إنّا نعوذ بك من فتنة القول، كما نعوذ بك من فتنة العمل، ونعوذ بك من التكلف لما لا نحسن. كما نعوذ بك من العجب بما نحسن" (20) وفي ذلك ضرب من الإيقاع يبعث على الراحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت