فهرس الكتاب

الصفحة 13206 من 23694

وإذا قصرنا الحديث على النثر وحده لاحظنا أن سمتي الإيجاز والموسيقى انتقلتا إلى أدب صدر الإسلام، لأن التدوين لم يختلف في صدر الإسلام عمّا كان عليه في العصر الجاهلي. يستثنى من ذلك تدوين القرآن الكريم، وهو التدوين الذي حفظ هذا النص العظيم من التحريف، وجعله مثلًا أعلى للبلاغة العربية. أما الحديث الشريف الذي استندت بلاغة النبي محمد (( ) فيه إلى الإيجاز نفسه، فقد تأخر تدوينه، وكان هذا التأخر سببًا من أسباب نشوء علم الحديث. وتهمني الإشارة إلى أن النثر في صدر الإسلام استمر في الاعتماد على الذاكرة وما يتصل بها من إيجاز، حتى إنه يصعب العثور على نص نثري طويل منسوب إلى تلك المرحلة. أما الموسيقى فقد ضعف أمرها رويدًا رويدًا، لأن النثر مال إلى التخلي عن السجع وتنميق الكلام، وشرع يصبح مرسلًا. وما إن بدأ التدوين يفشو في العصر الأموي حتى أصبح استعمال النثر المسجوع غير مستحب. وما رسائل عبد الحميد الكاتب التي ضاع أكثرها، وحفظ القلقشندي في"صبح الأعشى"قليلًا منها، إلا نموذج لما أقول. فقد دبّ الخلاف حول أسلوب رسائله نتيجة استعماله السجع والتوازن والازدواج، في حين تخلّص معاصره عبد الله بن المقفع من ذلك، وراح يستعمل الأسلوب المرسل الذي لا يتقيد بازدواج وسجع وترادف. وكأن الأسلوب المسجوع الذي اختفى بعد ظهور الإسلام، عاد ثانية في إهاب عبد الحميد الكاتب، وأصبح النثر الفني العربي يملك نوعين من الأسلوب: نوعًا مرسلًا ونوعًا مسجوعًا، ويُقدم ابتداءً من العصر العباسي ممثِّلين لهما، وصراعًا بينهما.

المؤثّرات العامة والخاصة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت