فهرس الكتاب

الصفحة 13207 من 23694

تشير كتب التراجم إلى أمرين أثّرا في موهبة الجاحظ الكتابية. أولهما عقله الناضج، وذكاؤه اللمّاح، وحافظته العجيبة، وفضوله العلمي، حتى إنه كان يكتري دكاكين الورّاقين ويبيت فيها ليقرأ محتوياتها. وثانيهما طبيعة العصر العباسي التي سمحت بالحرية الفكرية، ونمو الشعوبية، وتعدُّد الفرق والمذاهب الكلامية، والاتصال بالثقافات الأخرى. أي أن الجاحظ كان يملك استعدادًا شخصيًا فطريًا لمهنة الكتابة، ويعيش في بيئة تسمح بالتعبير والاختلاف في الرأي، إضافة إلى أنه نما وتبلورت موهبته في مناخ اتضحت فيه الهوية الحضارية العربية. وترجمة حياة الجاحظ تشير أيضًا إلى أنه كان يعتز بعروبته وانتسابه إلى"كنانة"وتلقّيه الفصاحة في"المِربَد"، وانصرافه إلى استيعاب المعارف والعلوم، وإيمانه بالعقل.

ولا شك في أن الإشارات التي قدّمتها ترجمة حياة الجاحظ لا تخرج عن المؤثرات العامة في أسلوبه. وقد كرّرت كتب التراجم والأدب هذه الإشارات، واحتفت بها، ولكنها لم تنطلق منها إلى السؤال عن المؤثرات الخاصة التي كان لها تأثير مباشر في أسلوبه الكتابي خصوصًا، وتنظيره للكتابة عمومًا. وإنني ميّال إلى أن آثار الجاحظ تدل على هذه المؤثرات دلالة غير مباشرة، لأنها موصولة الأسباب بإعجابه بأسلوب القرآن والحديث الشريف، ورغبته في التعبير عما يعتمل في عصره بأسلوب يلائم القارئ، ويصلح لأداء المعارف العلمية والأدبية أداءً دقيقًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت