والظن بأن الجاحظ قرأ القرآن، ووعى بيانه، وتأثَّر بما في أسلوبه من: دقّة وإحكام، وجزالة، وروعة انتقال، وجمال تمثيل، وعناية بالتكرار اللفظي. كما قرأ الأحاديث النبوية، ووعى بلاغتها، وتأثر بما في أسلوبها من: بساطة وإيجاز وتلميح وملاءمة بين الألفاظ وحال المخاطبين. وقد قاده هذا التأثر بأسلوب القرآن والحديث النبوي إلى الإيمان بثلاثة أسس للبلاغة، هي: مطابقة العبارة لمقتضى الحال، والبيان أو وضوح الدلالة، والإيجاز وعدم التكلف (1) . أو قل أنه قرر هذه الأسس في"البيان والتبيين"، وسعى إلى ترسيخها، تبعًا لتأثره بأسلوب القرآن والحديث الشريف الذي يجعل لكل مقام مقالًا، ويطالب المتكلم بمعرفة أقدار المعاني والموازنة بينها وبين أقدار المستمعين، ويعدُّ البيان اسمًا جامعًا لكل شيء كشف للقارئ قناع المعنى وهتك الحجب دون الضمير، حتى يفضي السامع إلى حقيقته، ويهجم على محصوله.