1-هناك مَنْ يعتقد بأن للجاحظ أسلوبين: أسلوبًا مرسلًا ليس فيه شيء من التوازن والترادف، كما هي حال أسلوبه في"الحيوان"و"البيان والتبيين". وأسلوبًا مترسّلًا أدبيًا، فيه شيء من التوازن والترادف والازدواج، كما هي حال أسلوبه في"البخلاء"و"رسالة التربيع والتدوير"التي سخر فيها من أحمد بن عبد الوهاب، و"رسالة الشكر" (2) التي مدح بها وزير المتوكل، و"رسالة وصف قريش"و"رسالة وصف الكتاب"... والظن بأن المرونة- وهي أكثر سمات أسلوب الجاحظ بروزًا- أوحت بهذا التباين بين الأسلوبين، لأنها لوّنت أسلوب الجاحظ، فبدا أدبيًا حينًا، وعلميًا أحيانًا. فإذا سخر من أحمد بن عبد الوهاب بدا أسلوبه وصفيًا قادرًا على تقديم صورة تضم نواحي ضعف أحمد وتناقضه وجهله وحمقه وسوء أخلاقه. وإذا تحدّث عن الحيوان بدا أسلوبه مرسلًا قادرًا على تقديم النظريات العلمية كالتأقلم والتطور، والمعارف العلمية الخاصة بالطب وأمراض الحيوان. وهذه المرونة في الانتقال من موضوع إلى آخر لا تخرج عن القدرة على التصرف باللغة العربية، وهي قدرة تنم على رصيده اللغوي، أي أنها مرونة لغوية اتسم بها أسلوبه، بحيث بدا متكثّرًا وهو واحد.