فهرس الكتاب

الصفحة 13211 من 23694

2-اقترنت المرونة بسمة أخرى، هي الملاءمة بين الألفاظ والمعاني، أو بين المقال والمقام. فالجاحظ هو القائل في كتاب"الحيوان" (3) :"لكل ضرب من الحديث ضرب من اللفظ، ولكل نوع من المعاني نوع من الأسماء، فالسخيف للسخيف، والخفيف للخفيف، والجزل للجزل". وقد قادته هذه السمة إلى نوع من الواقعية، فعدَّ الأدب صورة من الواقع، ولا بد له من أن يعبّر عن هذا الواقع وإن اضطر إلى استعمال بعض الألفاظ العامية والأعجمية، كما فعل الجاحظ في كتاب"البخلاء". بل إن رأيه في رواية النوادر بالطريقة اللغوية التي قيلت فيها خضع لتفسيرات متناقضة، ذهب بعضها إلى أنه سمح باستعمال العامية، وذهب بعض آخر إلى أنه قصر هذا السماح على رواية النوادر وحدها لئلا يفسد الإمتاع الذي تُقدّمه النادرة. والظن بأن رأيه في رواية النوادر (4) خاص وليس عامًا، كما أنه نابع من حرص أسلوبه على ملاءمة الألفاظ للمعاني.

3-ليست هناك إمكانية للملاءمة بين اللفظ والمعنى إذا لم يتسم الأسلوب بالدقة. وقد كان الجاحظ حريصًا على الدقة في أسلوبه، بحيث ينتقي اللفظ الدال على المعنى، ويلتفت في أثناء الانتقاء إلى الجرس والإيقاع وقوة الدلالة، تبعًا لحرصه على الجزالة العربية التي تعني عذوبة الكلام في الفم ولذاذته في السمع. وهو، في الغالب، ينتقي الألفاظ بمعانيها الحقيقية، دون أن يميل بها إلى المعاني المجازية. وليس هناك تعليل مقبول لمعيار انتقاء الألفاظ عنده غير رغبته في مخاطبة عقل القارئ. ولا يعني ذلك أنه لم يستعمل المعاني المجازية للألفاظ، بل يعني أنه ميال إلى مخاطبة عقل القارئ وحواسه بما يقبله العقل وتسيغه الحواس دون جهد في التأويل والتفسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت