4-أعتقد أن تدقيق الجاحظ في الملاءمة بين الألفاظ والمعاني احتاج إلى أن يتسم أسلوبه بدقة الأداء إضافة إلى الدقة اللغوية. والمراد بدقة الأداء استعمال اللفظ في موضعه بحيث لا يصح استعمال غيره في الموضع نفسه، واستعمال المصطلحات ذات المفهومات المحددة في العلوم والآداب والفنون. وقد أسهمت دقة الأداء في مرونة أسلوبه، بحيث بدا فيلسوفًا في أثناء استعماله مصطلحات الفلاسفة، وعالمًا في أثناء استعماله مصطلحات العلماء. كما أسهمت الدقة نفسها في الإيهام بواقعية أسلوبه، وخصوصًا المواضع التي استعمل فيها الألفاظ الصريحة التي تجنّب معاصروه استعمالها حرصًا على الذوق والأخلاق، ولجؤوا إلى الكناية في التعبير عنها. بيد أن دقة الأداء لم تكن مقصورة في أسلوب الجاحظ على اللفظ وحده، لأنه لجأ إليها في صوغ تراكيبه أيضًا، بحيث تنسجم ألفاظها ولا تتنافر، ويبرز جرسها ومعناها دون أي خلل أو تقصير. وهذه الدقة في أداء التراكيب مسؤولة عن الوهم الذي أشرت إليه حين قلت أن هناك مَن يعتقد بأن للجاحظ أسلوبين: أسلوبًا مرسلًا وأسلوبًا مترسّلًا. ذلك أنه استعمل في نثره المترسل الأدبي التوازن والترادف حفاظًا على جرس الجملة وانسجام الألفاظ وتقرير المعاني في أذهان القراء. وأسلوبه في هذه الحال ميال إلى التكرار اللفظي، سواء أكان الغرض من هذا التكرار توفير الجرس للتراكيب أم تأكيد المعنى في أذهان القراء.