5-يخيَّل إليَّ أن دقة أداء التراكيب لوّنت أسلوب الجاحظ، بحيث جعلت جمله طويلة حينًا، وقصيرة أحيانًا، دون أن يكون هناك معيار للطول والقصر فيها غير معيار الدقة في أداء الفكرة. فهو يعبّر عن الفكرة البسيطة بجملة قصيرة، وعن الفكرة الغامضة أو المجردة أو الدقيقة بجمل طويلة. وليس لهذه الجمل الطويلة نهاية غير اعتقاد الجاحظ بأنه وضّح المعنى المراد من الجملة توضيحًا لا لبس فيه. وهو في هذه الحال حريص على تقسيم الجملة الطويلة إلى جمل قصيرة متوازنة أحيانًا، منتهية غالبًا بعذر يعلل الإطالة، كما فعل في خاتمة رسالة التربيع والتدوير.
سمات أخرى:
لا أشك في أن هناك سمات أخرى اشتهر بها أسلوب الجاحظ، كالإطناب والاستطراد وبروز الشخصية والقدرة على الإضحاك والإكثار من الاستشهاد بالقرآن والحديث الشريف والشعر والأمثال والابتعاد عن التكلف... لم أر فائدة من تكرارها لاستفاضة شهرتها في الدراسات التي تحدثت عن الجاحظ، وخصوصًا الاستطراد الذي علله الجاحظ بدفع الملل والسآمة عن القارئ، ولجأ في سبيله إلى مزج الجد بالهزل، أو الخروج من النثر إلى الشعر. غير أنه من المفيد دائمًا تحليل أسلوب أمير البيان، والتدقيق في علاقته بأسلوب القرآن والحديث النبوي، وتأثيره في أساليب الأدباء الذين أتوا بعده، وخصوصًا التوحيدي الذي لُقِّب بالجاحظ الثاني.
الإحالات:
(1) -ذكر أنيس مقدسي في"تطور الأساليب النثرية في الأدب العربي"الأسس الثلاثة، وأورد شواهد عليها، وعدَّها المذهب النظري للجاحظ في بلاغة الإنشاء، انظر ص 171 وما بعد.
(2) -انظر: صبح الأعشى للقلقشندي 14/173.
(3) -انظر: الحيوان 3/114.
(4) -انظر: البيان والتبيين 3/81.
> الصفحة الرئيسية > > صفحة الدوريات > > صفحة الكتب > > جريدة الاسبوع الادبي > > اصدارات جديدة > > معلومات عن الاتحاد >