فهرس الكتاب

الصفحة 13225 من 23694

"قال إبراهيم: فبينا هو يومًا- أي الشيخ الخراساني- يأكل في بعض المواضع، إذ مرّ به رجل فسلّم عليه، فرد السلام ثم قال: هلمّ عافاك الله. فلما نظر إلى الرجل قد انثنى راجعًا يريد أن يَطفر الجدول أو يتعدّى النهر قال له: مكانك! فإن العجلة من عمل الشيطان. فوقف الرجل، فأقبل عليه الخراساني وقال: تريد ماذا؟ قال: أريد أن أتغدى (لاحظ البساطة في السؤال والجواب) قال: ولم ذلك؟ وكيف طمعت في هذا؟ ومن أباح لك مالي؟ قال الرجل: أوليس قد دعوتني؟ قال: ويلك! لو ظننت أنك هكذا أحمق ما رددت عليك السلام! الأمر فيما نحن فيه أن تكون إذا كنت أنا الجالس، وأنت المار، تبدأ أنت فتسلّم، فأقول أنا حينئذ مجيبًا لك: وعليكم السلام. فإن كنت لا آكل شيئًا سكت أنا، وسكتّ أنت، ومضيت أنت، وقعدت أنا على حالي."

وإن كنت آكل، فها هنا بيان آخر: وهو أن أبدأ أنا فأقول:"هلم"وتجيب أنت فتقول: هنيئًا؛ فيكون كلام بكلام! فأما كلام بفعال، وقول بأكل، فهذا ليس من الإنصاف! وهذا يُخرج علينا فضلًا كثيرًا..."."

ومثل هذا عند الجاحظ كثير، يَبرز فيه جانبا الحوار والحركة في توازن ملحوظ؛ حتى إذا جار أحدهما على الآخر، كأن يكون، بين جمع في مجلس يغلب فيه الحوار والحديث، عوَّض من عنصر بعنصر، كحاله في هذا النص أو ما نسمح لأنفسنا أن نسميه"لقطة"قصيرة، فعوَّض الجانب البسيكولوجي فيه من الجانب المادي، أو الحركة النفسية من الحركة الجسمية:

"كنا مرة في موضع حشمة، وفي جماعة كثيرة، والقوم سكوت، والمجلس كبير، وهو- الحزامي- بعيد المكان مني. وأقبل علي المكي وقال، والقوم يسمعون: يا أبا عثمان! مَن أبخل أصحابنا؟ قلت: أبو الهذيل. قال: ثم مَن؟ قلت: صاحبٌ لنا لا أسميه. قال"الحزامي"من بعيد: إنما يعنيني! ثم قال: حسدتم للمقتصدين تدبيرهم، ونماء أموالهم، ودوام نعمتهم.. الخ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت