فهرس الكتاب
"حدثني إبراهيم بن السندي قال: كان على ربع الشاذروان شيخ لنا من أهل خراسان، وكان مصححًا، بعيدًا من الفساد، ومن الرشاء، ومن الحكم بالهوى، وكان حقيًا جدًا. وكذلك كان في إمساكه، وفي بخله، وتدنيقه في نفقاته. وكان لا يأكل إلا ما لا بد منه، ولا يشرب إلا ما لا بد له منه. غير أنه إذا كان في غداة كل جمعة، حمل معه منديلًا فيه جردقتان، وقطع لحم سكباج مبرَّد، وقطع جبن، وزيتونات وصرة فيها ملح، وأخرى فيها أشنان، وأربع بيضات ليس منها بد، ومعه خلال. ومضى وحده حتى يدخل بعض بساتين الكرخ، وطلب موضعًا تحت شجرة، وسْط خضرة، وعلى ماء جار؛ فإذا وجد ذلك جلس، وبسط بين يديه المنديل، وأكل من هذا مرة، ومن هذا مرة، فإن وجد قيِّم ذلك البستان رمى إليه بدرهم، ثم قال: اشتر لي بهذا، أو أعطني بهذا رُطبًا- إن كان في زمان الرطب- أو عنبًا- إن كان في زمان العنب-، ويقول له: إياك إياك أن تحابيني، ولكن تجوَّد لي، فإنك إن فعلت لم آكله، ولم أعد إليك. واحذر الغبن، فإن المغبون لا محمود ولا مأجور. فإن أتاه به أكل كل شيء معه، وكل شيء أتى به، ثم تخلل، وغسل يديه. ثم يمشي مئة خطوة، ثم يضع جنبه فينام إلى وقت الجمعة، ثم ينتبه فيغتسل ويمضي إلى المسجد. هذا كان دأبه كل جمعة".
-ترى أنه عرض لنا حتى الآن ما يصح أن نُسمّيه"التقديم والتعريف"اللذين يشبهان في أيامنا تقديم الكاتب المسرحي وتعريفه بعناصر مسرحيته و"شخصياتها".. ويشتملان هاهنا على الشخصية الرئيسية (الشيخ الخراساني) - وأبرز صفاته الخلقية والنفسية- وشيء من عاداته والمتممات ومن أكل وشراب وأدوات منوَّعة لا بد له منها.. ولم يُغفل من هذه العادات حتى مشيه مئة خطوة!.. ثم المكان بأبرز تفاصيله ومحتوياته..-
الحدث: ثم بعد ذلك: الحدث: